سبتة قبل المهاجرين: الإسبان كانوا يغادرون المدينة… فلماذا انفجرت الحملة الإعلامية الآن؟

0
92

قبل الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة المحتلة هذا الصيف، وقبل أن تتحول صور آلاف المهاجرين إلى مادة يومية في الإعلام الإسباني، كانت المدينة تعيش أزمة أخرى لا علاقة مباشرة لها بالمهاجرين. أزمة اقتصادية وسكانية تراكمت تدريجياً، وكان جزء أساسي منها مرتبطاً بتغير العلاقة التجارية مع المغرب.

الأرقام الإسبانية نفسها تقدم مدخلاً واضحاً إلى هذه الصورة. فقد سجل المعهد الوطني للإحصاء الإسباني مغادرة 2497 مواطناً إسبانياً من سبتة نحو مناطق أخرى من إسبانيا سنة 2021، ثم 2408 سنة 2022، و2299 سنة 2023، و2019 سنة 2024، أي 9223 حركة انتقال خلال أربع سنوات. ولا تعني هذه الأرقام أن 9223 شخصاً مختلفاً غادروا المدينة نهائياً، فالإحصاء يتحدث عن حركات انتقال، لكنها تكشف بوضوح أن مغادرة الإسبان كانت ظاهرة قائمة قبل أحداث الهجرة الأخيرة بسنوات.

وفي المقابل، استقبلت سبتة خلال الفترة نفسها مواطنين إسباناً قادمين من مناطق أخرى، لكن الرصيد ظل سالباً. انتقلت المدينة من خسارة صافية بلغت 943 شخصاً سنة 2021 إلى 543 في 2022، ثم 424 في 2023، و307 في 2024. والمدينة الصغيرة لا تستطيع تجاهل أرقام من هذا النوع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسكانها الإسبان.

لكن لماذا كانت سبتة تفقد جزءاً من هذا السكان؟

من الصعب فصل المسألة عن التحول الذي عرفه اقتصاد المدينة بعد تشديد المغرب مراقبته على الحدود وإنهاء التجارة غير النظامية التي كانت تربط سبتة بالسوق المغربية. لعقود، استفادت المدينة من موقعها الحدودي ومن تدفق السلع نحو شمال المغرب، وكانت هذه الحركة تشكل جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي المباشر وغير المباشر على جانبي الحدود. بالنسبة إلى المغرب، لم يكن استمرار هذا الوضع مقبولاً إلى ما لا نهاية، لأنه ارتبط بتجارة اعتبرتها السلطات المغربية مضرة بالاقتصاد الوطني وبالسوق الداخلية.

عندما بدأ المغرب في إغلاق هذا المسار تدريجياً، لم يتغير وضع الفنيدق والمناطق المحيطة بها فقط. سبتة نفسها فقدت جزءاً من الوظيفة الاقتصادية التي جعلت موقعها الحدودي مصدراً دائماً للحركة. وجاء إغلاق الحدود خلال جائحة كورونا ليعمق الانقطاع. ثم استمر الاتجاه بعد ذلك، مع استمرار المغرب في إعادة تنظيم حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود.

كان من الطبيعي أن تظهر النتائج في المدن التي عاشت طويلاً على هذه الحركة.

وهنا يصبح من الصعب تحميل المهاجرين الذين وصلوا هذا الصيف مسؤولية ظاهرة بدأت قبل وصولهم بسنوات. الأرقام الديموغرافية الإسبانية لا تترك مجالاً كبيراً لهذا الخلط الزمني. مغادرة الإسبان كانت موجودة في 2021 و2022 و2023 و2024، بينما موجة الهجرة الأخيرة جاءت لاحقاً.

ثم جاءت الأحداث.

وفجأة أصبحت سبتة أمام أرقام ضخمة من الوافدين، ومشاهد على الشواطئ والطرقات ومراكز الإيواء، واستنفار أمني وسياسي، وعودة المدينة إلى صدارة النقاش الإسباني. تحولت مشكلة كانت في جزء منها اقتصادية وديموغرافية إلى أزمة حدود وهجرة وأمن.

وهنا بالضبط يبدأ السؤال الذي يستحق البحث، لا الإجابة المسبقة: هل كانت الهجرة هي التي صنعت أزمة سبتة، أم أنها جاءت لتضخم أزمة كانت قائمة أصلاً؟

الجواب الأول الذي يقدم في الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني يركز بطبيعة الحال على الهجرة. أما التسلسل الزمني فيقدم صورة أكثر تعقيداً: المدينة كانت تواجه قبل ذلك تراجعاً في أحد أهم مصادر حركتها الاقتصادية، وكانت تسجل في الوقت نفسه مغادرة مستمرة لمواطنين إسبان نحو باقي البلاد.

ثم هناك السؤال الأكثر حساسية: من يقف وراء موجة الهجرة الجماعية الأخيرة؟

هذا السؤال لا يمكن أن يحسمه مقال صحافي بمجرد الشك أو بالاستناد إلى أحداث 2021. ففي مايو من ذلك العام دخل آلاف الأشخاص إلى سبتة خلال فترة قصيرة، في ظل أزمة سياسية ودبلوماسية حادة بين المغرب وإسبانيا، ووجهت آنذاك اتهامات متبادلة بشأن طريقة إدارة الحدود واستعمال الهجرة في الضغط السياسي. لكن وجود سابقة لا يثبت تلقائياً أن أحداث 2026 تكررت بالطريقة نفسها.

لذلك فإن القول إن الأمن الإسباني أو حكومة سبتة صنعت الهجوم يحتاج إلى وثائق وتحقيقات وشهادات مباشرة. أما ما يمكن طرحه الآن فهو سؤال آخر أكثر قابلية للفحص: كيف استفادت إسبانيا، وحكومة سبتة تحديداً، من الأزمة بعد وقوعها؟

فالأزمة تعيد إلى المدينة أهمية لم تكن تحصل عليها من الاقتصاد وحده. الأمن يصبح أولوية، الحدود تصبح قضية وطنية، الهجرة تصبح ملفاً دائماً أمام مدريد، وتصبح الحاجة إلى الاعتمادات والموارد الإضافية أكثر إلحاحاً. مدينة كانت تعاني من تحول اقتصادي ومن نزيف سكاني تجد نفسها فجأة في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى الدولة الإسبانية.

وهنا ينبغي العودة إلى البداية، لا إلى الصور الأخيرة.

المغرب عندما أوقف تدريجياً تجارة كانت تستنزف اقتصاده لم يكن مطالباً بالحفاظ على نموذج اقتصادي لمدينة توجد تحت الاحتلال الإسباني. ومن الطبيعي أن تكون لهذا القرار انعكاسات على الطرف الآخر من الحدود. سبتة كانت تستفيد من السوق المغربية، وعندما تغيرت قواعد اللعبة أصبح عليها أن تبحث عن نموذج اقتصادي آخر.

الهجرة لم تبدأ هذه المشكلة.

وحتى إذا أثبتت التحقيقات لاحقاً أن جهة ما تدخلت في صناعة موجة الهجرة أو توجيهها، فإن ذلك لن يغير حقيقة أساسية: سبتة كانت تواجه مشكلتها الاقتصادية والديموغرافية قبل وصول هذه الموجة.

لذلك فإن الرقم الذي ينبغي ألا يضيع وسط كل هذه الصور ليس فقط عدد المهاجرين الذين دخلوا المدينة هذا الصيف، بل أيضاً عدد الإسبان الذين اختاروا مغادرتها خلال السنوات التي سبقتهم.

أكثر من تسعة آلاف حركة انتقال إلى باقي إسبانيا بين 2021 و2024، مقابل تدفقات معاكسة أقل، في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها عشرات الآلاف.

أما ما حدث هذا الصيف، فقد أضاف طبقة جديدة إلى المشكلة.

ومن يريد معرفة مستقبل سبتة لن يجد الإجابة في أعداد المهاجرين وحدها، بل في سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه: ماذا بقي للمدينة بعد أن بدأ المغرب يغلق السوق الذي عاشت عليه طويلاً؟