لقجع يضع القدرة الشرائية في واجهة برنامج «البام».. من محاربة الوسطاء إلى كلفة الدولة الاجتماعية

0
94

تضع كلمة فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال اللقاء الانتخابي بالقنيطرة، مسألة القدرة الشرائية في قلب النقاش حول البرنامج الذي يقدمه الحزب للناخبين قبل اقتراع 23 شتنبر. غير أن التفاصيل التي عرضها لقجع تجعل النقاش يتجاوز مسألة تخفيف الأسعار بالمعنى المباشر، ليمتد إلى الطريقة التي تصل بها السلع إلى المستهلك، وإلى ما يمكن أن تفعله الدولة في التقاعد والدعم الاجتماعي والضرائب والخدمات العمومية.

أبرز ما طرحه لقجع في هذا السياق هو تصور لإحداث شركات جهوية تتولى نقل المواد الاستهلاكية وتوزيعها وتطوير شبكاتها، مع فتح المساهمة فيها أمام التجار عبر الأسهم وفق قواعد يصفها بالواضحة والشفافة. الفكرة، كما عرضها، تستهدف تقليص عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك والحد من الزيادات التي ترافق انتقال السلع.

المقترح يفتح سؤالاً عملياً يسبق الحكم على نتائجه: كيف ستتغير الأسعار فعلياً إذا أعيد تنظيم مسالك التوزيع، ومن سيتحمل كلفة إنشاء هذه الشركات وتدبيرها ومراقبة أدائها؟ فاختصار حلقات الوساطة قد يخفف بعض التكاليف، لكن السعر النهائي يرتبط أيضاً بالنقل والتخزين والطاقة وهوامش الربح والمنافسة والضرائب وطبيعة كل سوق. لذلك، فإن نجاح التصور سيقاس بما يحدث في السوق، لا بمجرد الإعلان عن هيكلة جديدة.

من تخفيف الفاتورة إلى إعادة توزيع الدخل

يتحرك البرنامج المقترح في أكثر من اتجاه في وقت واحد. فإلى جانب تنظيم التوزيع، تحدث لقجع عن تخفيف فاتورة الكهرباء للأسر ذات الاستهلاك المنخفض، وفق شروط يحددها البرنامج. كما اقترح رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم شهرياً، وتحسين استفادة الأرامل من معاش أزواجهن بعد الوفاة. وتندرج هذه المقترحات ضمن تصور يربط القدرة الشرائية بالدخل الذي تتوفر عليه الأسرة وبالمصاريف التي تتحملها، وليس بسعر السلع وحده.

في الضريبة على الدخل، طرح لقجع مراجعة الجدول المعتمد بالنسبة للأجراء، مع الحديث عن زيادات محتملة في الدخل الصافي تتراوح بين 1500 و4000 درهم شهرياً، حسب مستويات الأجور والاقتطاع. وتحدث في لقاء سابق بأكادير عن إعادة النظر في الشرائح والإعفاءات، بما يخفف العبء عن أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة وفق التصور الذي عرضه الحزب.

الفرق بين الإعلان عن مراجعة ضريبية وبين وصول الزيادة إلى الحساب البنكي يمر عبر تفاصيل لا تظهر في الرقم الإجمالي: الشرائح الجديدة، حدود الإعفاء، عدد المستفيدين، والأثر على موارد الدولة. هذه التفاصيل هي التي ستحدد القيمة الفعلية للإجراء بالنسبة إلى كل فئة من الأجراء.

أما الدعم الاجتماعي المباشر، فيقترح الحزب رفع الحد الأدنى للمساعدة إلى 1000 درهم شهرياً، إلى جانب مراجعة معايير الأهلية. وانتقد لقجع احتساب بعض الممتلكات البسيطة، مثل الدراجة أو الدراجة النارية المستعملة في العمل، ضمن العناصر التي قد تؤثر في الاستفادة، داعياً إلى اعتماد الدخل الفعلي للأسرة وحاجتها إلى المساعدة. كما طرح فكرة استمرار الدعم خلال مرحلة انتقال الأسرة إلى العمل أو النشاط الاقتصادي، بدل وقفه بصورة مباشرة عند تحسن جزئي في وضعيتها.

هنا يتخذ النقاش منحى مختلفاً عن مجرد رفع قيمة الإعانة. فالمعيار المقترح يتعلق بكيفية قياس الحاجة الاجتماعية، وبما إذا كان الدعم يمكن أن يؤدي وظيفة انتقالية تساعد الأسرة على تحسين وضعها، لا أن يتحول إلى عائق أمام قبول فرصة عمل أو إطلاق نشاط صغير. غير أن تحويل الفكرة إلى سياسة قابلة للتنفيذ يحتاج إلى قواعد دقيقة لتحديد الدخل، ومراجعة الاستحقاق، ومنع الأخطاء أو الاستغلال.

الدولة الاجتماعية بين التغطية والخدمة

خصص لقجع حيزاً من كلمته للشباب، رابطاً مواكبتهم بالتكوين والولوج إلى سوق الشغل، مع التأطير والتمويل والمساعدة التقنية للمقاولات الناشئة. كما عاد إلى الصحة والتعليم بوصفهما جزءاً من الدولة الاجتماعية التي يقترحها الحزب، معتبراً أن التغطية الصحية تفقد جزءاً من أثرها إذا لم يجد المواطن الطبيب أو الدواء أو الخدمة داخل المؤسسة الصحية.

هذا الطرح يضع التمويل إلى جانب القدرة الفعلية للمرافق على تقديم الخدمة. فالتغطية الصحية تعالج جانباً من كلفة العلاج، بينما يرتبط أثرها اليومي بتوفر الموارد البشرية والأدوية والبنيات والخدمات. وفي التعليم، ربط لقجع الإصلاح بتكوين الأطفال والشباب وقيم المواطنة والاندماج الاجتماعي.

تتجمع، بهذه الطريقة، مقترحات ذات طبيعة مختلفة داخل عنوان واحد: الدولة الاجتماعية. بعضها يرتبط بالدخل المباشر، وبعضها بتنظيم السوق، وبعضها بإصلاح الخدمات. والنتائج التي يمكن انتظارها من كل محور ليست متطابقة، كما أن آجال التنفيذ والجهة المسؤولة عن كل إجراء تختلف من ملف إلى آخر.

الأرقام المالية تحتاج إلى توضيح

الجانب المالي يطرح سؤالاً مستقلاً عن طبيعة الالتزامات الاجتماعية. فقد نقلت تقارير عن لقاء القنيطرة تحديد كلفة البرنامج في نحو 190 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مع الحفاظ على عجز الميزانية في حدود 3 في المائة.

لكن أرقاماً أخرى وردت في عروض سابقة للقجع حول برنامج «البام». ففي شتنبر، تحدثت تقارير عن غلاف يبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، بمعدل 70 مليار درهم سنوياً، بينما نشرت «لوسيت أنفو» في 21 شتنبر رقماً إجمالياً قدره 390 مليار درهم، منها نحو 314 مليار درهم من الميزانية العامة للدولة.

الفارق بين 190 و350 و390 مليار درهم لا يمكن تجاوزه تحريرياً باعتباره اختلافاً بسيطاً في الصياغة. قد يتعلق الأمر بنطاق مختلف للحساب أو بتحديث للتقديرات أو ببرامج ومصادر تمويل متباينة، لكن المادة المتاحة لا تكفي وحدها لإثبات سبب الاختلاف. لذلك، يحتاج الرقم المعتمد في النسخة النهائية من البرنامج إلى توضيح رسمي: ما الذي يشمله، وما الذي يستثنيه، وما حجم المساهمة الفعلية للميزانية العامة؟

والأمر نفسه ينطبق على فرضية الحفاظ على العجز في حدود 3 في المائة. فهي ليست رقماً منفصلاً عن النمو المتوقع، وتطور الموارد الجبائية، ونفقات الدولة القائمة، وكلفة الالتزامات الجديدة. وسبق أن ربطت عروض أخرى للقجع تمويل البرنامج بفرضيات تتعلق بالنمو والمالية العمومية.

من الخطاب الانتخابي إلى الاختبار العملي

رفض لقجع تصنيف التزامات الحزب ضمن خانة الوعود الانتخابية، وقدمها باعتبارها برنامجاً للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي. وردد خلال اللقاء شعار «لا وعود لا عهود.. لقجع عندو الموجود»، رابطاً استعادة الثقة بالتنفيذ والمحاسبة.

ودعا الحاضرين إلى التصويت لمرشح حزب الأصالة والمعاصرة في اقتراع 23 شتنبر، مشدداً على أن مساءلة المنتخبين ينبغي أن تبدأ بعد الاقتراع، لا أن تنتظر نهاية الولاية. كما أشار إلى جولته في عرباوة وعدد من جماعات الغرب، وما قال إنه عاينه من إكراهات مرتبطة بالخدمات والبنيات الأساسية.

الأفق الذي عرضه يمتد إلى سنة 2031، حين يفترض، وفق التصور الذي قدمه، أن تكون مطالب المواطنين قد تجاوزت قضايا الطريق والماء والكهرباء والصحة والتعليم نحو حاجيات تنموية جديدة. لكن هذا الانتقال يظل مرتبطاً بالقدرة على معالجة الأولويات التي تشغل الأسر اليوم، وبكيفية تحويل الالتزامات المعلنة إلى برامج بآجال وموارد ومسؤوليات محددة.

القنيطرة قدمت، في هذا اللقاء، حزمة واسعة من المقترحات: تنظيم التوزيع، دعم الدخل، إصلاح التقاعد، مراجعة الضرائب، إعادة النظر في معايير الدعم، ومواكبة الشباب وإصلاح الصحة والتعليم. ويظل تقييم كل إجراء رهيناً بتفاصيله وبآثاره القابلة للقياس، مع ضرورة حسم الاختلافات الواردة في التقديرات المالية قبل اعتمادها كمرجع نهائي للبرنامج.