لم ينتظر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس كثيراً قبل أن يضع حداً علنياً لأي حديث عن صيغة للسيادة المشتركة بين إسبانيا والمغرب على سبتة ومليلية. في مقابلة مع برنامج «Al Rojo Vivo» على قناة «لاسيكستا»، وصف ألباريس الفكرة بأنها «هراء» و«غير معقولة»، مؤكداً أن مدريد «لن تتحدث» مع الرباط عن سيادتها الإقليمية، لا بشأن المدينتين ولا بشأن أي جزء آخر من الأراضي الإسبانية.
الصياغة الإسبانية لم تترك مساحة كبيرة للتأويل. ألباريس قال إن سبتة ومليلية «إسبانيتان» وإنهما جزء من الاتحاد الأوروبي، وإن وحدة الأراضي الإسبانية ليست موضوعاً قابلاً للتفاوض. وأضاف أن هذا الموقف أُبلغ إلى المغرب، بحسب روايته، «بوضوح» لم يسبق له مثيل في تاريخ الديمقراطية الإسبانية.
لكن اللافت أن التصريح الذي يغلق باباً سيادياً يفتح في الوقت نفسه باباً آخر للحوار.
فالوزير نفسه تحدث عن لقاء مرتقب مع نظيره المغربي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعن حوار هادئ بشأن الوضع في سبتة، في وقت لا تزال فيه تداعيات موجة العبور الجماعي للمهاجرين حاضرة في العلاقة بين البلدين. ألباريس قال أيضاً إن الرباط ستقبل إعادة مهاجرين دخلوا إلى سبتة خلال موجة 30 يوليو، وإن المغرب سيتخذ إجراءات لمنع تكرار مثل هذه الوقائع.
الفصل بين الملفين هو ما تحاول مدريد تثبيته بوضوح: التعاون مع المغرب في الهجرة والأمن والحدود يمكن أن يستمر، لكن ذلك لا يعني، وفق الموقف الإسباني المعلن، فتح نقاش حول وضع المدينتين.
حتى الآن، لا توجد في التصريحات المنشورة التي أمكن التحقق منها معطيات تثبت أن الحكومة المغربية طرحت رسمياً على الحكومة الإسبانية اتفاقاً للسيادة المشتركة. ألباريس نفسه نفى أن تكون حكومته ناقشت هذه الصيغة مع وزارة الخارجية المغربية أو مع الحكومة في الرباط. وما تحدث عنه الوزير هو مقترحات صدرت عن شخصيات أو مرشحين مغاربة، وليس عن اتفاق حكومي مغربي معلن.
هذه النقطة مهمة لأن الخطاب الإسباني بدأ يتعامل مع أكثر من مستوى في الوقت نفسه: الحكومة المغربية من جهة، والخطاب السياسي والإعلامي والمجتمعي المغربي من جهة أخرى.
ويظهر ذلك بصورة أوضح في ملف زيارة الملك فيليب السادس المرتقبة إلى سبتة ومليلية.
ألباريس قال إن ملك إسبانيا يملك الحق في زيارة أي مدينة إسبانية، وإن مدريد لن تقبل أن يحدد طرف خارجي أين يمكن للملك أن يذهب. كلامه جاء بعد تصريحات ليحيى يحيى، الرئيس السابق للجنة المطالبة بتحرير سبتة ومليلية، الذي ظهر في تسجيل أمام القنصلية العامة الإسبانية بالناظور موجهاً رسالة مباشرة إلى فيليب السادس، محذراً من أن زيارة المدينتين ستقابل بتحرك مغربي.
لغة يحيى كانت أكثر حدة بكثير من اللغة الدبلوماسية التي تستخدمها الرباط رسمياً. فقد تحدث عن «آخر قطرة دم» دفاعاً عن الوحدة الترابية للمغرب في شمال المملكة، وأعلن عن الاستعداد لتحركات ميدانية في الناظور في حال تمت الزيارة.
التصريح لم يبق داخل الحدود المغربية. في مليلية، أعلن رئيس المدينة خوان خوسيه إمبرودا أن الحكومة المحلية ستتوجه إلى القضاء بسبب تصريحات يحيى، وهو ما نقل القضية من مستوى السجال السياسي والإعلامي إلى مسار قانوني داخل إسبانيا.
وبذلك بدأت الواقعة تأخذ مسارين متوازيين: مدريد تستخدم خطاب السيادة والوحدة الترابية باعتباره موقفاً غير قابل للتفاوض، بينما يستخدم يحيى خطاب المطالبة المغربية بالمدينتين وربطه بزيارة الملك الإسباني.
ولا ينبغي الخلط بين المسارين.
فتصريحات يحيى، مهما كان صداها الإعلامي، لا تشكل في حد ذاتها موقفاً للحكومة المغربية. وفي المقابل، فإن رفض ألباريس للسيادة المشتركة يعبر عن الموقف الرسمي الإسباني، لكنه لا يلغي وجود قضية سياسية وتاريخية أوسع مرتبطة بوضع سبتة ومليلية في العلاقات المغربية الإسبانية.
المفارقة العملية تظهر في مكان آخر: كلما ارتفعت حدة الخطاب حول السيادة، بقيت قنوات الاتصال بين الحكومتين مفتوحة.
مدريد تتحدث عن عدم التفاوض حول «السلامة الإقليمية» لإسبانيا، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الرباط في إدارة الحدود والهجرة. والرباط، من جهتها، تواصل التعامل مع إسبانيا باعتبارها شريكاً أساسياً في ملفات أمنية واقتصادية وأوروبية، بينما تبقى قضية سبتة ومليلية جزءاً ثابتاً من التصور المغربي للوحدة الترابية.
هذا التعايش بين ملفين متعارضين ظاهرياً هو الذي يجعل التصريحات الأخيرة أكثر أهمية من مجرد سجال لفظي.
ألباريس لم يقل إن مدريد ستقطع الحوار مع الرباط بسبب قضية المدينتين. قال شيئاً أكثر تحديداً: هناك موضوعات يمكن الحوار بشأنها، لكن السيادة الإسبانية ليست واحدة منها. وفي المقابل، فإن الإعلان عن لقاء مرتقب بين وزيري الخارجية يدل على أن الخلاف حول المدينتين لا يمنع استمرار التفاوض حول ملفات أخرى، بما فيها الهجرة.
أما زيارة فيليب السادس، فإنها تضيف طبقة جديدة إلى المشهد. إسبانيا تنظر إليها باعتبارها ممارسة لحق ملكها في زيارة مدن تعتبرها إسبانية. وفي المغرب ينظر إليها التيار المطالب باسترجاع المدينتين من زاوية مختلفة تماماً. لذلك أصبحت الزيارة المحتملة نقطة احتكاك رمزية قبل أن تتحول إلى حدث فعلي.
واللافت أن مدريد لم تربط، في التصريحات التي صدرت عن وزير خارجيتها، استمرار التعاون مع الرباط بقبول المغرب للرواية الإسبانية حول السيادة. ما طرحه ألباريس هو استمرار التعاون مع إبقاء ملف السيادة خارج طاولة التفاوض.
وهذا يترك العلاقة المغربية الإسبانية أمام معادلة دقيقة: التعاون اليومي يمكن أن يتقدم، فيما يبقى الخلاف التاريخي قائماً في الخلفية، ولا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد في المرحلة الحالية لتحويله إلى تفاوض مباشر حول السيادة.
أما ما سيحدث إذا تحددت رسمياً مواعيد زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية، فذلك سيكشف أكثر من التصريحات الحالية عن قدرة البلدين على إبقاء هذا الملف داخل حدود الخلاف السياسي، بعيداً عن لغة التهديد والتصعيد.
حتى الآن، المؤكد هو أن مدريد قالت بوضوح إن السيادة المشتركة مرفوضة، وأنها لا تعتبر وضع سبتة ومليلية موضوعاً للتفاوض. والمؤكد أيضاً أن قنوات الحوار مع الرباط لم تُغلق، وأن ملف الهجرة والحدود يفرض استمرار التواصل بين الحكومتين. أما تحويل قضية المدينتين إلى مفاوضات سيادية فعلية، فلا توجد في المعطيات المتاحة أدلة تثبت أنه بدأ.