وضعت النقابة المستقلة لقطاعات الصحة يدها على واحدة من أكثر النقاط حساسية في ورش إصلاح المنظومة الصحية: لحظة الانتقال من بناء الهياكل إلى اختبار قدرتها على العمل فعلياً. ففي اجتماع مكتبها الوطني، المنعقد يوم السبت 3 أكتوبر 2026 بالمقر المركزي، اختارت النقابة أن تجعل انطلاقة المجموعات الصحية الترابية في صلب نقاشها، مركزة على ما تعتبره عقبات ينبغي تجاوزها قبل أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى مصدر جديد للتوتر داخل القطاع.
المسألة ترتبط في جوهرها بتحول في طريقة تدبير الصحة نفسها. فالقانون رقم 08.22 نقل جزءاً مهماً من صلاحيات تدبير المنظومة من المستوى المركزي إلى إطار جهوي يتمتع بالاستقلالية، بما يجعل المجموعات الصحية الترابية جزءاً من هندسة جديدة للحكامة الصحية، لا مجرد إعادة توزيع إداري للاختصاصات.
لكن الانتقال من القانون إلى المؤسسة شيء آخر.
النقابة تنطلق من أن هذا الورش يفترض بناء حكامة قائمة على الأهداف، وتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج، وتحسين مسارات المرضى داخل منظومة أصبحت أكثر تعقيداً من حيث المتدخلين ومصادر التمويل وآليات تقديم الخدمات. ولهذا ترى أن نجاح التجربة سيُقاس في النهاية بما يحدث داخل المركز الصحي والمستشفى، أكثر مما سيقاس بعدد الهياكل التي جرى إحداثها أو الاختصاصات التي أعيد توزيعها.
وتطرح النقابة في هذا السياق معطى يتعلق بكلفة العلاج، إذ تشير إلى أن متوسط تحمل ملف طبي في القطاع الخاص قد يعادل أكثر من خمسة أضعاف مثيله في القطاع العام، وتربط ذلك، ضمن تفسيرها، بغياب بروتوكولات علاجية موحدة وملزمة. وهذه نقطة ذات أثر مباشر على أنظمة التأمين الأساسي عن المرض، لأن ارتفاع الكلفة لا يبقى مسألة تقنية داخل المؤسسات العلاجية، وإنما ينتقل إلى التوازنات المالية لمنظومة التغطية الصحية.
من هنا يأتي الدور الذي تمنحه النقابة للمجموعات الصحية الترابية. فهي تراها آلية يمكن أن تساعد على تنظيم مسارات العلاج وتحسين تدبير الموارد وربط مستويات الرعاية المختلفة، شريطة ألا تتحول الاستقلالية الجديدة إلى مجرد نقل للمسؤوليات من المركز إلى الجهات من دون توفير أدوات القرار والموارد الضرورية لتنفيذها.
وفي هذه المرحلة بالذات، تضع النقابة ملف الموارد البشرية في المقدمة.
فالهياكل الجديدة تحتاج إلى قيادات وتدبير واضح، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى مهنيي صحة يشعرون بأنهم جزء من التحول وليسوا مجرد منفذين له. ولذلك تشدد الوثيقة على الشفافية وتكافؤ الفرص، وعلى احترام المساطر القانونية، وعلى فتح الحوار مع الشركاء الاجتماعيين، خصوصاً في معالجة الملفات العالقة التي يمكن أن تصبح أكثر حساسية أثناء الانتقال.
هذه النقطة تبدو مركزية في موقف النقابة. فالمخاوف التي تعبر عنها لا تتعلق فقط بتصميم المجموعات الصحية الترابية، وإنما بكيفية إدارتها في الأشهر والسنوات الأولى. القرارات التي تمس الوضعيات المهنية، في نظرها، يمكن أن تؤثر في المناخ الداخلي للمؤسسات، وإذا تراكمت الملفات من دون حوار أو معالجة واضحة، فقد تتراجع الثقة بين الإدارة والموارد البشرية في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون هذه الموارد إحدى أدوات إنجاح الإصلاح.
وفي المقابل، تسجل النقابة موقفاً إيجابياً من انطلاق النظام المعلوماتي الاستشفائي، الذي يفترض أن يشمل في مرحلته الأولى ثلاثة مراكز استشفائية جامعية و20 مستشفى و294 مركزاً صحياً، مع التوجه تدريجياً نحو تعميم الملف الطبي المشترك وورقة العلاجات الإلكترونية.
هنا ينتقل الإصلاح إلى مستوى آخر.
الرقمنة لا تعني فقط استبدال الورق بالشاشة. نجاحها مرتبط بقدرة مختلف المؤسسات الصحية على تبادل المعلومات بطريقة مستدامة وآمنة، وبإمكانية تشغيل أنظمتها بشكل متكامل، وكذلك بقدرة هذه الأنظمة على التواصل مع نظم المعلومات لدى هيئات تدبير التأمين عن المرض.
ولهذا تربط النقابة نجاح هذه الخطوة باستكمال الإطار القانوني والتنظيمي للمنظومة المعلوماتية الصحية، ومن ضمنه مشروع القانون رقم 052.26، وبقدرة مهنيي الصحة أنفسهم على امتلاك هذه الأدوات واستخدامها في الممارسة اليومية.
والملف هنا يتجاوز الجانب التقني أيضاً، لأن المعلومات الصحية تحمل طبيعة شخصية وحساسة، ما يجعل حماية البيانات جزءاً من بنية الإصلاح، وليس تفصيلاً موازياً له. وتضيف النقابة إلى ذلك مواكبة التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات الصحة، باعتبارها من الملفات التي ستفرض نفسها تدريجياً على طريقة تقديم العلاج وتدبير المعطيات.
لكن البيان يعود في نهايته إلى نقطة أكثر مباشرة: الموارد.
الدواء، التجهيزات، الأطر الصحية، التمويل، الحكامة، والتفاعل اليومي مع مهنيي الصحة؛ كلها عناصر ستحدد قدرة النموذج الجديد على تجاوز مرحلة التأسيس. ويمكن بناء هياكل قانونية متقدمة، وإحداث مؤسسات جديدة، وتوسيع التغطية الصحية، وإضافة أسرّة وتجهيزات، لكن ذلك لا يجيب وحده عن سؤال الخدمة التي سيجدها المواطن عندما يدخل مركزاً صحياً أو مستشفى.
وهنا تضع النقابة معياراً عملياً للإصلاح: ما يتغير فعلياً في الميدان.
ذلك يعني أن نجاح المجموعات الصحية الترابية لن يظهر أولاً في الهيكل التنظيمي ولا في أسماء المؤسسات، وإنما في مسار المريض، وفي سرعة الولوج إلى العلاج، وفي توفر الدواء، وفي قدرة المهنيين على الاشتغال داخل منظومة أكثر تنسيقاً، وفي العلاقة بين المركز الصحي والمستشفى والمستشفى الجامعي، ثم في الكلفة التي تتحملها منظومة التأمين.
المرحلة التي تصفها النقابة، إذن، هي مرحلة انتقالية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الهياكل تُبنى، والأنظمة المعلوماتية تبدأ في الاشتغال، والاختصاصات تتغير، بينما ملفات الموارد البشرية والتمويل والتنظيم القانوني ما تزال حاضرة في قلب النقاش.
ولهذا فإن التحذير من التعثر لا يعني، في حد ذاته، حكماً على الإصلاح بالفشل. لكنه يضع أمام القائمين عليه سؤالاً عملياً لا يمكن تأجيله طويلاً: كيف تتحول الهندسة الجديدة للمنظومة الصحية من تنظيم قانوني وإداري إلى خدمة يلمس المواطن فرقها فعلاً؟
الجواب لن تصنعه النصوص وحدها. سيظهر في المستشفيات والمراكز الصحية، وفي طريقة اشتغال المهنيين، وفي قدرة الإدارة على حل الملفات بدل تراكمها، وفي استدامة التمويل، وفي الأدوية والتجهيزات، وفي المعلومات التي تنتقل من مؤسسة إلى أخرى دون أن تضيع بين الأنظمة.
هناك، في التفاصيل اليومية للعلاج، ستبدأ المجموعات الصحية الترابية في تقديم الاختبار الحقيقي للنموذج الذي جرى بناؤه على الورق.