الجولة الثانية من المشاورات الحكومية أعطت محمد أوزين شيئاً واحداً مؤكداً: لقاءً جديداً مع فاطمة الزهراء المنصوري. أما الحقيبة الوزارية، فلم تصل بعد.
الأمين العام للحركة الشعبية خرج ليؤكد أن حزبه لم يتلقَّ، إلى حدود الجولة الثانية، أي عرض رسمي للمشاركة في الحكومة المقبلة، وأن النقاش لم ينتقل بعد إلى تفاصيل الحقائب والمناصب، مع حديث عن لقاء ثالث سيُستكمل خلاله النقاش.
هذه النقطة وحدها كافية لإعادة ترتيب كثير مما قيل خلال الأيام الماضية.
ففي 6 أكتوبر، ظهر في بعض المنابر حديث عن مطالب منسوبة إلى أوزين، وصلت إلى رئاسة مجلس النواب وثلاث حقائب وزارية وكتابتي دولة. نُشرت الرواية باعتبارها جزءاً من كواليس المفاوضات، بل بُني عليها استنتاج بأن سقف الحركة الشعبية قد يكون مرتفعاً إلى درجة قد تجعل مشاركتها في الحكومة موضع نقاش.
لكن بعد الجولة الثانية، جاء تصريح أوزين ليضع فاصلاً واضحاً بين ما هو متداول وما يمكن إثباته.
لا عرض رسمي.
ولا تفاصيل حقائب، بحسب روايته.
ثم هناك جولة ثالثة.
وهنا تصبح القصة أكثر إثارة للاهتمام من مجرد سؤال: هل سيدخل أوزين الحكومة أم لا؟
منذ بداية المشاورات، كان موقف الحركة الشعبية المعلن أكثر حذراً من الصورة التي حاولت بعض التسريبات رسمها. ففي لقاء 30 شتنبر مع المنصوري، تحدث أوزين عن “قطيعة إيجابية” مع المرحلة السابقة وعن حاجة البلاد إلى نفس جديد، فيما أكد لاحقاً أن الحزب مستعد لخدمة الوطن من أي موقع، سواء داخل الأغلبية أو في المعارضة.
وفي الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني للحركة الشعبية يوم 3 أكتوبر، فُوّض أوزين بمواصلة المشاورات واتخاذ القرار بشأن تموقع الحزب. وهذا يعني أن القرار السياسي لم يكن قد حُسم في ذلك الوقت، وأن النقاش كان ما يزال يدور حول موقع الحركة في المرحلة المقبلة.
مع ذلك، تحوّل اسم أوزين بسرعة إلى مادة يومية في سوق التكهنات.
مرة يُقال إنه يريد هذه الوزارة.
ومرة تُربط الحركة بحقيبة أخرى.
ومرة يصبح الحديث عن عدد الحقائب قبل أن يصبح هناك، وفق المعطيات المعلنة، عرض حكومي أصلاً.
وهنا يمكن فهم جانب من الظاهرة من دون الحاجة إلى افتراض نوايا لأحد: كلما طال أمد المشاورات، أصبحت الأسماء نفسها مادة للتأويل. واللقاء السياسي يتحول في التداول الإعلامي إلى تفاوض على المناصب، حتى عندما لا تكون تفاصيل التفاوض قد خرجت إلى العلن.
أوزين نفسه كان قد وضع قاعدة مختلفة للنقاش عندما قال إن قوة الحزب لا تُقاس فقط بعدد المقاعد، وإن الحركة لا تصنع حضورها بالبحث عن الحقائب، مؤكداً استعدادها للعمل من أي موقع.
وهذا لا يعني أن المفاوضات، إذا انتقلت لاحقاً إلى توزيع المسؤوليات، لن تعرف مطالب أو مقترحات أو نقاشاً حول الحقائب. ذلك جزء طبيعي من تشكيل أي أغلبية. لكن الفرق الصحافي مهم: ما سيُطرح في الجولة المقبلة لا ينبغي تحويله إلى حقيقة قبل أن يُطرح فعلاً.
واللافت أن الحركة الشعبية، التي حصلت على 29 مقعداً في انتخابات 23 شتنبر، ليست في وضع يسمح بتجاهلها من حيث الحساب البرلماني، كما أن موقعها النهائي لم يُحسم بعد وفق التصريحات المتاحة.
لذلك، فإن قراءة أوزين تحتاج إلى فصلين مختلفين.
الأول يتعلق بالحزب وموقعه في الأغلبية المقبلة.
والثاني يتعلق بالرجل نفسه، الذي أصبح اسمه حاضراً في النقاش السياسي أكثر مما تسمح به أحياناً التفاصيل المعلنة عن المشاورات.
خلال الحملة الانتخابية، كان حضور أوزين من العناصر التي أعطت الحركة الشعبية مساحة واضحة في التواصل السياسي. وبعد الانتخابات، انتقل الاهتمام من الحملة إلى موقع الحزب في معادلة الحكومة.
ثم جاءت المشاورات.
ثم بدأت الحقائب تظهر في الأخبار قبل أن تظهر، بحسب تصريح أوزين، في التفاوض نفسه.
وهنا بالضبط يمكن فهم عنوان الحكاية: أوزين لم يطلب حقيبة في المعطيات المعلنة حتى الآن، لكن اسمه صار كافياً لكي تُفتح حوله لائحة كاملة من الحقائب.
أما الجولة الثالثة، فهي التي ستُظهر إن كان النقاش سينتقل فعلاً من المرجعيات والبرامج ومبدأ المشاركة إلى تفاصيل التشكيلة الحكومية.
حتى ذلك الحين، تبقى الحقيبة التي نُسبت إلى أوزين في الأخبار حقيبة إعلامية أكثر منها حكومية.