كواليس هندسة الحكومة الجديدة.. حقائب تتداولها الكواليس وأسئلة تنتظر جواب المنصوري

0
79

تتقدم أسماء الوزراء المحتملين في الكواليس، فيما ينتظر المغاربة معرفة ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستغيّر شيئاً في علاقتهم بالسياسة ومؤسساتها. فاطمة الزهراء المنصوري دخلت مرحلة تشكيل الحكومة بعد تعيينها يوم 29 شتنبر 2026، إثر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً من أصل 395. أما توزيع الحقائب، وأسماء الوزراء الذين سيغادرون أو سيحتفظون بمواقعهم، فتبقى إلى حين الإعلان الرسمي في نطاق التداول السياسي والإعلامي.

تقول أخبار متداولة في محيط حزب الجرار إن عبد اللطيف وهبي قد يحتفظ بوزارة العدل لولاية ثانية، وإن نزار بركة مرشح للاستمرار في وزارة التجهيز والماء، فيما يظل اسم فوزي لقجع مطروحاً للاستمرار في وزارة الاقتصاد والمالية. وتذهب روايات أخرى إلى أن نادية فتاح قد تكون خارج التشكيلة المقبلة، وأن عدداً من الوجوه النسائية والشابة في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة سيحصل على فرصة لدخول الحكومة.

هذه أسماء وتوقعات تحتاج إلى تأكيد. لكن استمرار بعض الوزراء، إذا تحقق، يطرح سؤالاً يتجاوز الأشخاص: ما الذي تريد رئاسة الحكومة الجديدة الاحتفاظ به من المرحلة السابقة، وما الذي تريد تغييره؟ فالاحتفاظ بوزير قد يعني الاستمرارية في قطاع معين، لكنه لا يكشف وحده عن طبيعة السياسة التي ستُعتمد ولا عن حجم التغيير الذي سيطال تدبيره.

في وزارة العدل، مثلاً، سيكون استمرار وهبي، إن تأكد، مناسبة للعودة إلى ملف إصلاح العدالة والحريات وضمانات المحاكمة العادلة. وفي قطاع التجهيز والماء، ترتبط أهمية نزار بركة بملفات البنيات التحتية والأمن المائي. أما وزارة الاقتصاد والمالية، التي يرتبط اسم فوزي لقجع بتدبيرها، فتوجد في قلب معادلة الإنفاق العمومي والقدرة الشرائية والتمويل والاستثمار. لكل حقيبة حساباتها، ولا تكفي الأسماء وحدها لمعرفة ما إذا كانت الحكومة ستغير اتجاهاتها أو ستواصل النهج القائم.

وفي المقابل، تثار أسئلة عن موقع نادية فتاح، وعن التوازن الذي ستقيمه المنصوري بين نساء الحزب وشبابه والوجوه التي راكمت تجربة حكومية أو برلمانية. وقد يصبح تمثيل النساء والشباب أحد العناوين البارزة للتشكيلة الجديدة، لكن قيمته السياسية ستتوقف على طبيعة المسؤوليات المسندة إليهم، وعلى ما إذا كانت مشاركتهم سترافقها صلاحيات فعلية في اتخاذ القرار.

ثلاثة مقاعد للوردة وثلاثة للكتاب؟

تتداول الكواليس أيضاً صيغة تمنح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ثلاثة قطاعات وزارية، والتقدم والاشتراكية ثلاثة قطاعات أخرى، مع حديث عن غياب إدريس لشكر عن الحكومة. وتُطرح إمكانية مشاركة الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية برئاسة عبد الصمد عرشان في دعم الأغلبية، مقابل مسؤوليات برلمانية من قبيل رئاسة لجان.

هذه التفاصيل لم تُحسم بإعلان رسمي، كما أن عدد الحقائب وحده لا يكفي لتقييم وزن أي حزب داخل الحكومة. فثلاث وزارات ذات اختصاصات محدودة ليست بالضرورة مساوية لثلاث وزارات تتحكم في ملفات اجتماعية واقتصادية كبرى. والأمر نفسه ينطبق على المساندة البرلمانية: ما طبيعة الالتزامات المتبادلة؟ وهل ستقتصر على التصويت، أم ستشمل اتفاقاً سياسياً وبرنامجياً واضحاً؟

وتبقى رئاسة مجلس النواب من المواقع التي تتجه إليها الحسابات الحزبية، بالنظر إلى دور المؤسسة التشريعية في مراقبة العمل الحكومي ومناقشة البرنامج والتصويت على القوانين. غير أن القول ببقاء الرئاسة في يد حزب الأصالة والمعاصرة يظل، ما لم يصدر إعلان رسمي، ضمن التوقعات المتداولة.

أما الحديث عن طبيعة حضور الشخصيات الحزبية في الوزارات ذات الاختصاصات السيادية، فلا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بشأنه أو بشأن الأسماء التي قد تتولاها. وما سيحسم الصورة هو الإعلان عن التشكيلة النهائية والصلاحيات المسندة إلى أعضائها.

البرلمان يفتتح دورته.. والحكومة أمام امتحان الثقة

في الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة من بعد ظهر الجمعة 9 أكتوبر، وفق التوقيت الوارد في المعطيات المتداولة، يتجه الاهتمام إلى افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة برئاسة الملك محمد السادس. ويأتي الموعد بعد انتخابات أفرزت ترتيباً حزبياً جديداً، وفي وقت لا تزال فيه مشاورات تشكيل الحكومة منفصلة عن الإعلان النهائي عن أعضائها وبرنامجها.

الخطاب الملكي المرتقب في افتتاح الدورة يأتي بعد خطاب عيد العرش في 30 يوليوز، وبين الموعدين تراكمت ملفات داخلية وخارجية لا يمكن فصل تشكيل الحكومة عنها. فهناك تداعيات أزمة سبتة، والتوترات المرتبطة بملف الهجرة، والتطورات السياسية في إسبانيا، إلى جانب النزاع حول الصحراء المغربية ومسار البحث عن تسوية سياسية، وما يرافقه من رهانات إقليمية ودولية.

وفي الداخل، يبقى السؤال الانتخابي حاضراً. فقد بلغت نسبة المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 38.08 في المائة، بحسب النتائج المعلنة، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021. وهذا تراجع يستحق القراءة، خصوصاً أن المشاركة السياسية لا تختزل في عدد الأصوات، بل ترتبط أيضاً بمدى ثقة المواطنين في جدوى التمثيل الحزبي وقدرة المؤسسات المنتخبة على التأثير في حياتهم اليومية. المصدر: نتائج الانتخابات.

ومن المهم هنا التمييز بين عدد المسجلين، وعدد المؤهلين للتصويت، وعدد المشاركين فعلياً. فالأرقام المتداولة عن ملايين المغاربة الذين لم يصوتوا لا تعني أن جميعهم اتخذوا الموقف نفسه أو يحملون الدوافع ذاتها. لكن النتيجة السياسية واضحة بما يكفي لطرح سؤال المشاركة: كيف ستتعامل الحكومة المقبلة مع المواطنين الذين لم يجدوا في الانتخابات ما يدفعهم إلى صناديق الاقتراع؟

فوز حزب الأصالة والمعاصرة بالمرتبة الأولى يمنح المنصوري موقعاً دستورياً لقيادة تشكيل الحكومة، لكنه لا يمنحها أغلبية برلمانية جاهزة. الحزب حصل على 97 مقعداً، بينما تتطلب الأغلبية المطلقة 198 مقعداً. وهذا يعني أن تركيب الأغلبية سيحتاج إلى اتفاقات مع أحزاب أخرى، وأن التفاوض على الحقائب سيجري بالتوازي مع التفاوض على البرنامج وعلى حدود المسؤولية السياسية لكل طرف.

هنا تبدأ الصعوبة الفعلية: كيف يمكن جمع أحزاب مختلفة في برنامج واحد، مع اختلاف مواقعها ومصالحها وتقديراتها للمرحلة؟ وكيف ستُوزع المسؤوليات من دون أن تتحول الحكومة إلى مجرد تجميع حسابي للأصوات والحقائب؟

القدرة الشرائية لا تنتظر اكتمال المشاورات

في حياة المواطنين اليومية، تتقدم أسعار المحروقات والمواد الأساسية على أخبار توزيع الوزارات. وقد ورد في المادة الأصلية سعر متداول للغازوال بلغ 16.20 درهماً للتر، وهو رقم يحتاج إلى تثبيت بحسب تاريخ الرصد ومحطة البيع والمنطقة قبل اعتماده باعتباره سعراً عاماً. لكن الجدل حول المحروقات والقدرة الشرائية يظل قائماً، ويضع الحكومة المقبلة أمام سؤال اقتصادي مباشر: ما الأدوات التي ستعتمدها للتخفيف من ضغط الأسعار على الأسر والمقاولات؟

يرتبط هذا الملف أيضاً بتقييم تجربة الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش، وبالانتقادات التي رافقت تدبير الأسعار والتزامات تحسين الأوضاع الاجتماعية. غير أن ربط خسارة الأصوات الانتخابية بانتقام سياسي أو عقاب جماعي للمواطنين يبقى حكماً على النوايا لا تثبته الأرقام وحدها. ما يمكن قوله إن نتائج الانتخابات تتيح مساءلة الأحزاب عن حصيلة الولاية السابقة وعن مدى تطابق وعودها مع ما عاشه الناس.

ومن هنا تأتي أهمية البرنامج الحكومي. فإذا اكتفى بتجميع الوعود الانتخابية، فلن يجيب عن أسئلة الأسر التي تراقب فواتيرها ومصاريفها. أما إذا حدد أهدافاً قابلة للقياس، وآجالاً واضحة، ومسؤوليات محددة، فسيصبح من الممكن محاسبة الحكومة على ما أنجزته وما أخفقت فيه.

الانفتاح السياسي جزء من مهمة الحكومة

ثمة ملفات لا تُقاس كلفتها بالميزانية وحدها. حقوق الإنسان، واستقلالية القضاء، وحرية الصحافة، وشروط المشاركة السياسية، كلها عناصر تؤثر في علاقة المواطن بالدولة وفي قدرة المؤسسات على تجديد الثقة.

في المجال الحقوقي، يطرح نشطاء وهيئات حقوقية مطالب تتعلق بأوضاع المعتقلين وبضمانات المحاكمة العادلة وبالحريات العامة. ويمكن أن يشكل الانفراج الحقوقي مدخلاً سياسياً لمعالجة بعض مظاهر التوتر، شريطة احترام القانون والاختصاصات الدستورية. أما الدعوة إلى عفو عام عن المعتقلين السياسيين، فهي مطلب سياسي وحقوقي يستلزم تحديد الحالات المقصودة والإطار القانوني المناسب، ولا يصح اختزاله في قرار إداري بسيط أو تقديمه كما لو أن جميع الملفات متطابقة.

وفي القضاء، لا يزال إصلاح منظومة العدالة من الملفات التي تتطلب تقييماً مؤسساتياً ومهنياً، يشمل استقلال السلطة القضائية وجودة الأحكام ومدة البت في القضايا وضمانات الدفاع وتنفيذ الأحكام. فالإصلاح لا يرتبط بمشروع واحد أو وزير واحد، بل بقدرة المؤسسات على تنفيذ التزاماتها ومراجعة الاختلالات بناء على معطيات قابلة للفحص.

أما الصحافة، فتواجه أسئلة تتعلق بحرية العمل المهني، والمتابعات القضائية، والاستقلال الاقتصادي، وتركيز الموارد الإعلانية، والعلاقة بين المال والممارسة الإعلامية. والقول إن الصحافة انتهت قد يعبر عن حجم الإحباط، لكنه لا يصف واقعاً واحداً؛ فهناك مؤسسات وصحافيون يواصلون العمل، إلى جانب اختلالات تستدعي نقاشاً جدياً حول شروط المهنة وضمانات استقلالها.

ومن دون بيئة تسمح بالتحقيق الصحافي والنقد والمساءلة، تصبح قدرة المجتمع على مراقبة السياسات العمومية محدودة. كما أن هشاشة المقاولات الإعلامية واعتماد بعضها على عقود إعلانية أو شراكات غير شفافة قد يضعفان الاستقلال التحريري. ولهذا، يحتاج إصلاح الإعلام إلى قواعد واضحة للتمويل والإشهار، وحماية الممارسة المهنية، وضمان التعددية، وتطبيق القانون على الجميع.

ماذا تقول المقاطعة والاحتجاجات؟

تستحق المشاركة الضعيفة في الانتخابات أن تُقرأ إلى جانب أشكال التعبير السياسي الأخرى، بما فيها الاحتجاجات الشبابية التي ارتبطت باسم «جيل Z»، من دون افتراض أن جميع المقاطعين أو المحتجين يحملون برنامجاً واحداً أو يطالبون بالأمر نفسه.

ما يجمع هذه الوقائع هو أنها تضع مسألة التمثيل السياسي على الطاولة. فالمواطن الذي يصوت يطالب بأن تُترجم مشاركته إلى سياسات، والذي يقاطع قد يكون معبّراً عن رفض أو عدم اقتناع أو أسباب أخرى، والذي يحتج يختار وسيلة مختلفة لإيصال مطالبه. ولا يمكن فهم هذه المواقف من دون الاستماع إلى أصحابها والتمييز بين الشعارات المعلنة والدوافع التي تحتاج إلى بحث ميداني.

بالنسبة إلى المنصوري، فإن تشكيل الحكومة هو المهمة الأولى، لكنه ليس الاختبار الوحيد. فالأغلبية تحتاج إلى برنامج واضح، والوزراء يحتاجون إلى صلاحيات ومسؤوليات قابلة للمحاسبة، والبرلمان يحتاج إلى ممارسة رقابية فعلية، فيما تحتاج الأحزاب إلى إثبات أن حضورها داخل المؤسسات يمكن أن يترك أثراً في حياة المواطنين.

وإذا كانت المشاورات تدور حول الحقائب ورئاسة اللجان وحجم تمثيل كل حزب، فإن الأسئلة التي تنتظر جواباً تتعلق أيضاً بحدود الانفتاح السياسي، وبكيفية التعامل مع الملفات الحقوقية والإعلامية، وباستعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة. وهذه قضايا تتجاوز التفاوض بين قادة الأحزاب، لأنها تمس العلاقة بين الدولة والمجتمع.

قد تكون بعض الأسماء التي تتداولها الكواليس صحيحة، وقد تتغير التشكيلة قبل إعلانها. وقد تنجح المفاوضات في بناء أغلبية مستقرة، لكن الاستقرار البرلماني وحده لا يكفي لإثبات نجاح الحكومة. الحكم على التجربة سيبدأ عندما يظهر برنامجها، وتُعرف أولوياتها، وتُقاس نتائج قراراتها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق ولادة الحكومة الجديدة: هل ستكتفي بتوزيع المسؤوليات داخل الأغلبية، أم ستفتح أيضاً نقاشاً عملياً حول توسيع المشاركة السياسية وتحسين شروط الحريات واستعادة ثقة المواطنين؟ ذلك هو الامتحان الذي لن تحسمه أسماء الوزراء وحدها.