ستة مليارات درهم لتأهيل الشباب.. أين تقع الرياضة في مشروع بناء الإنسان المغربي؟

0
131

الحكومة تضع إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل ضمن أولوياتها، وتعلن عن برنامج بحوالي ستة مليارات درهم. لكن قراءة الأرقام الرسمية والتقارير المؤسساتية تفتح ملفاً آخر: هل يجري الاستثمار في تأهيل الشباب من دون إعطاء الرياضة المدرسية والجامعية والرياضة للجميع المكانة التي تستحقها في بناء الإنسان؟ ومن يتحمل مسؤولية الفجوة بين الطموحات المعلنة والنتائج المحققة؟

عندما عرض فوزي لقجع مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، كانت الحكومة تقدم تصوراً لإدماج الشباب يقوم على التكوين والتشغيل وريادة الأعمال والحركية المهنية والسكن الميسر. وخصصت لهذا البرنامج غلافاً مالياً يقارب ستة مليارات درهم، مع استهداف فئات واسعة من الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل.

الأرقام المعلنة كبيرة، والبرنامج يتناول مشكلات حقيقية. فبحسب العرض الحكومي الذي نقلته المادة المقدمة، يوجد نحو 2.9 ملايين شاب خارج دوائر التعليم والتكوين والشغل، فيما ينضاف قرابة 280 ألف منقطع عن الدراسة سنوياً. وتعتزم الحكومة تطوير آليات للتشخيص الفردي والتوجيه، وإحداث جواز للحركية المهنية يستهدف 250 ألف مستفيد خلال خمس سنوات، إلى جانب برامج للتكوين بالتدرج والتشغيل الأول ومواكبة المقاولات الشابة.

غير أن قراءة هذا البرنامج من زاوية الرياضة تكشف مسألة لا تجيب عنها أرقام الإدماج وحدها: ما موقع النشاط البدني المنتظم والتربية الرياضية والتنافس المنضبط في المشروع الوطني لتأهيل الشباب؟ هل يُنظر إلى الشاب أساساً باعتباره قوة عمل ينبغي إدماجها في سوق الشغل، أم باعتباره إنساناً يحتاج أيضاً إلى الصحة الجسدية والتوازن النفسي والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار والعمل الجماعي؟

لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين الرياضة والتشغيل، ولا بالمطالبة بتحويل ميزانية التكوين المهني إلى الملاعب. فالشاب يحتاج إلى فرصة عمل وإلى تعليم جيد، لكنه يحتاج كذلك إلى بيئة تساعده على بناء شخصيته واكتساب عادات صحية ومهارات اجتماعية. والتكوين المهني لا يعوّض التربية البدنية، كما أن ممارسة الرياضة وحدها لا تحل مشكلة البطالة. المسألة هي ما إذا كانت السياسات العمومية تتعامل مع هذه الحاجات باعتبارها عناصر متكاملة، أم تفصل بينها إدارياً ومالياً إلى درجة تجعل بعضها يتراجع في التنفيذ.

وتزداد أهمية هذا السؤال لأن الحكومة نفسها تجعل تأهيل الشباب أولوية معلنة، فيما سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن خلص، في دراسته حول السياسة الرياضية بالمغرب، إلى أن الاستراتيجية الوطنية للرياضة في أفق 2020، رغم طموحها ووضوح محاورها، لم تحقق الأهداف المنتظرة منها، وأن الرياضة لم تحتل بعد المكانة التي تستحقها في سياسة التنمية.

هذه ليست ملاحظة عابرة صادرة عن فاعل رياضي يطالب بحصة أكبر من الميزانية. إنها خلاصة مؤسسة استشارية دستورية درست تنفيذ استراتيجية وطنية، بما يفرض نقل النقاش من عدد الملاعب التي أُنجزت إلى طبيعة السياسة الرياضية نفسها، ومدى قدرتها على الوصول إلى المواطن، وخصوصاً الطفل والمراهق والشاب الذي لا ينتمي إلى نادٍ احترافي ولا يملك القدرة على أداء رسوم الاشتراك في قاعة خاصة.

من استراتيجية وطنية إلى سؤال التنفيذ: ماذا بقي من أهداف الرياضة؟

اعتمد المغرب استراتيجية وطنية لتطوير الرياضة في أفق 2020، وكان يفترض أن تشكل إطاراً لتوسيع الممارسة الرياضية وتحسين الحكامة وتطوير التكوين. لكن الدراسة التي أنجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بطلب من مجلس المستشارين سنة 2018، سجلت أن تنفيذ الاستراتيجية لم يبلغ الأهداف المنتظرة، رغم وضوح محاورها وطموحها.

هذه النتيجة تستحق أن تُقرأ اليوم على ضوء ما تعلنه الحكومة بشأن تأهيل الشباب. فالمشكلة التي وثقتها الدراسة لا تتعلق بغياب الرؤية وحده؛ إذ قد تتوافر الاستراتيجيات والأهداف والبرامج، بينما يظل أثرها على حياة المواطن أقل من المعلن. والاختبار الحقيقي لأي سياسة رياضية هو أن يستطيع الطفل ممارسة الرياضة بانتظام في مدرسته أو حيه، وأن يجد المراهق تأطيراً آمناً ومناسباً، وأن يتمكن الشاب من الاستمرار في الممارسة من دون أن تتحول الكلفة أو المسافة أو غياب المدرب إلى عائق دائم.

في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بشأن اقتصاد الرياضة، الصادر سنة 2022، تظهر مشكلة أعمق تتجاوز بناء المنشآت. فقد أشار المجلس إلى ضعف احترافية القطاع، واعتماده الواسع على الدعم العمومي والخاص، وإلى أن الصيغة القانونية والتنظيمية القائمة لا تلائم بالقدر الكافي اختلاف الفاعلين الرياضيين، من جمعيات الأحياء إلى البنيات الاحترافية. كما دعا إلى مراجعة الإطار القانوني، وتحسين قواعد توزيع الدعم، وتطوير تكوين الموارد البشرية، وإخضاع مشاريع البنيات الرياضية لدراسات تحدد أهدافها وتكاليف إنشائها وصيانتها وطريقة تدبيرها.

تتوزع أسباب التعثر، وفق هذه التشخيصات، بين التمويل والحكامة والتنظيم والتكوين ونموذج الاقتصاد الرياضي. ولذلك فإن تحميل مسؤولية التهميش لجهة واحدة، أو افتراض وجود طرف يستفيد عمداً من إضعاف الرياضة، سيكون قفزاً على ما تسمح به الأدلة. المطلوب هو تحديد المسؤوليات بحسب الاختصاص، وفحص القرارات والاعتمادات والنتائج، ثم مساءلة كل مؤسسة عن الجزء الذي يدخل ضمن صلاحياتها.

المدرسة: أول اختبار لجدية الاستثمار في الشباب

تبدأ علاقة المغربي بالرياضة في الغالب قبل دخوله سوق الشغل بسنوات طويلة. فالمدرسة هي المؤسسة القادرة، نظرياً، على توفير حد أدنى من الممارسة المنتظمة لجميع الأطفال، بغض النظر عن دخل أسرهم أو مكان إقامتهم أو قدرتهم على الانخراط في نادٍ خاص.

لكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه حول اقتصاد الرياضة، أشار إلى أن التربية البدنية كثيراً ما تعاني داخل المؤسسات التعليمية من نقص التجهيزات والأطر، وأن ذلك يحد من أثرها التربوي والصحي ويضعف فرص اكتشاف المواهب في سن مبكرة. ودعا إلى إعطاء الأولوية للرياضة المدرسية والجامعية وتوسيع المنافسات وربط الممارسة بمسارات دراسية تسمح للرياضي بمواصلة تعليمه.

وتقدم المعطيات الحكومية الحديثة صورة تحتاج إلى قراءة متأنية، لا إلى تجاهل الإنجازات ولا إلى الاكتفاء بها. فقد أفادت رئاسة الحكومة، في عرض أمام مجلس المستشارين نُشر على البوابة الرسمية للمغرب في 28 يناير 2026، بأن عدد المستفيدين من الأنشطة الرياضية المدرسية ارتفع من 240,800 تلميذ سنة 2021 إلى 895 ألفاً سنة 2023، ثم إلى نحو 1.2 مليون سنة 2024، مع توسيع العرض ليشمل 50 تخصصاً رياضياً.

هذا تطور معلن يستحق التسجيل. لكنه لا يحسم وحده مسألة تعميم الممارسة المنتظمة. فعدد المستفيدين من الأنشطة لا يساوي بالضرورة عدد التلاميذ الذين يمارسون الرياضة أسبوعياً، ولا يكشف تلقائياً عن جودة التأطير أو عدد الحصص الفعلية أو الفوارق بين المناطق والمؤسسات. كما أن المقارنة تحتاج إلى معرفة طريقة احتساب المستفيدين، وما إذا كان التلميذ الذي شارك في نشاط واحد يُحتسب بالطريقة نفسها التي يُحتسب بها من يمارس الرياضة طوال الموسم الدراسي.

وتقول الوزارة المكلفة بالتعليم والرياضة، في بياناتها الخاصة بالبرنامج المدرسي، إن جمعيات الرياضة المدرسية أُحدثت وتعمل بنسب تتجاوز 96 في المائة في التعليم الإعدادي و98 في المائة في التعليم الثانوي التأهيلي. وتذكر أن هذه الجمعيات تستفيد منها نسب تقارب 66 في المائة من تلاميذ الإعدادي و61 في المائة من تلاميذ الثانوي التأهيلي. كما تشير إلى ارتفاع عدد المستفيدين من مسارات «الرياضة والدراسة» من 267 تلميذاً في الموسم 2019-2020 إلى 8,834 في الموسم 2025-2026.

هذه المؤشرات تعني أن العمل المؤسساتي قائم، وأن اختزال الواقع في عبارة «لا توجد رياضة مدرسية» سيكون غير دقيق. لكن وجود جمعية داخل المؤسسة لا يثبت، بمفرده، انتظام أنشطتها أو توفر المعدات والملاعب والمدربين. وارتفاع عدد المسجلين في مسارات الرياضة والدراسة لا يجيب عن وضعية بقية التلاميذ الذين لا يدخلون هذه المسارات.

التحقيق الجاد يحتاج إلى بيانات على مستوى الأكاديميات والمديريات والمؤسسات: عدد حصص التربية البدنية المنجزة فعلياً، ونسبة المؤسسات التي تتوفر على تجهيزات صالحة، وعدد المدرسين بحسب المناطق، ومعدلات المشاركة المنتظمة حسب الجنس والوسط الحضري والقروي. هذه هي المؤشرات التي تسمح بمعرفة ما إذا كانت الرياضة حقاً يومياً متاحاً أم نشاطاً تتفاوت فرص الاستفادة منه تبعاً للمؤسسة التي يدرس فيها الطفل.

فالطفل الذي لا يجد في مدرسته ملعباً مناسباً أو تأطيراً منتظماً لا يخسر فرصة اكتشاف موهبة رياضية فحسب. إنه يفقد أيضاً جزءاً من فرص التعلم بالممارسة: احترام القواعد، وتقبل الخسارة، وإدارة التنافس، والتعاون مع الآخرين، وتحمل المسؤولية. وهي مهارات يحتاج إليها لاحقاً في العمل والحياة العامة، إلى جانب المعرفة والتحصيل الدراسي.

ستة مليارات للشباب.. لكن أين ميزانية الرياضة داخل الحسابات العمومية؟

تتطلب مناقشة الموارد المالية التمييز بين ثلاثة عناصر: الميزانية الإجمالية لوزارة الشباب والثقافة والرياضة، والاعتمادات المخصصة مباشرة للبرامج الرياضية، ثم المبالغ التي صُرفت فعلياً وتحولت إلى خدمات يستفيد منها المواطن. فاجتماع قطاعات الشباب والثقافة والرياضة داخل وزارة واحدة لا يعني أن ميزانيتها الإجمالية مخصصة للرياضة، كما أن الاعتمادات المرصودة لا تعادل بالضرورة النفقات المنجزة.

ولا يمكن تقييم مكانة الرياضة في السياسات العمومية بالاستناد إلى الميزانية الإجمالية للوزارة وحدها؛ بل يتطلب الأمر فحص توزيع الاعتمادات بين القطاعات والبرامج، والتمييز بين نفقات التسيير والاستثمار، ومقارنة المبالغ المبرمجة بما نُفذ فعلياً. كما أن إدراج ملعب ضمن المشاريع المعلنة لا يعني بالضرورة أنه أصبح جاهزاً للاستعمال، أو أنه يتوفر على التمويل اللازم للصيانة والتأطير والتشغيل المنتظم.

وتُظهر البيانات المنشورة عن ميزانية سنة 2026 أن البرنامج 802، الخاص بالرياضة ذات المستوى العالي، والبرنامج 803، الخاص بالرياضة للجميع، يظهران كبندين منفصلين داخل البنية الميزانياتية للوزارة. وتعرض البيانات نفسها نحو 1.6 مليار درهم للرياضة ذات المستوى العالي، مقابل قرابة 290 مليون درهم للرياضة للجميع. هذه الأرقام تستدعي الرجوع إلى وثائق الاعتمادات الأصلية وتفصيلها قبل اعتمادها في مقارنة نهائية، لكنها تبرز أهمية التمييز بين دعم النخبة وتوسيع الممارسة الرياضية بين عموم المواطنين.

ولا تكفي هذه المقارنة وحدها للحكم على عدالة الإنفاق؛ فقد تتطلب بعض الرياضات ذات المستوى العالي استثمارات مكلفة، كما أن برامج الرياضة للجميع قد تستفيد من اعتمادات موزعة على قطاعات وجماعات ومؤسسات أخرى. لكن غياب صورة موحدة ومفهومة للرأي العام عن مجموع الإنفاق الرياضي، بما يشمل الاستثمار والتسيير والأطر والصيانة، يجعل تقييم الأولويات أكثر صعوبة.

أما مبلغ الستة مليارات درهم المعلن ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، فهو مخصص لبرنامج إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل وريادة الأعمال، وفق العرض الحكومي، وليس اعتماداً مخصصاً للرياضة. لذلك لا يصح تقديمه كما لو أن الحكومة خصصت هذا المبلغ لتأهيل الشباب رياضياً، ولا مقارنته مباشرة بميزانية قطاع الرياضة من دون ضبط نطاق كل رقم.

والسؤال المالي الذي يستحق المساءلة لا يتعلق فقط بحجم الاعتمادات، بل بما تشتريه هذه الاعتمادات فعلياً: كم طفلاً يستطيع ممارسة الرياضة أسبوعياً؟ كم مؤسسة تعليمية تتوفر على فضاء صالح وآمن؟ كم ملعب قرب يعمل وفق برنامج معلن؟ كم مدرباً ومؤطراً جرى تكوينه وتعيينه؟ وما تكلفة استفادة الفرد، وما المدة التي يستمر خلالها في الممارسة؟

هذه أسئلة تسمح بمقارنة المال العام بالنتائج. أما الاكتفاء بإعلان عدد الملاعب أو عدد المستفيدين من برنامج ما، فلا يكشف وحده إن كان الإنفاق قد أحدث تحولاً مستداماً في حياة الشباب.

من المسؤول عن موقع الرياضة؟ المسؤولية موزعة وليست مجهولة

تحدد الصفحة الرسمية للقطاع الرياضي اختصاصات تشمل إعداد السياسة الحكومية وتنسيق الأنشطة الرياضية وتأطيرها ومراقبتها، ومواكبة الجامعات والجمعيات والأندية، وتحسين البنيات التحتية، وتطوير كفاءات المدربين والأطر التقنية، وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات الرياضية.

هذا يعني أن مديرة الرياضة تتحمل مسؤولية مركزية في التخطيط والتنسيق والمراقبة، لكنها لا تنفرد بكل عناصر التنفيذ. فالتربية البدنية والرياضة المدرسية ترتبطان أيضاً بالتدبير التعليمي، والمنشآت المحلية تحتاج إلى قرارات وتمويل وتدبير من الجماعات الترابية وشركاء آخرين، فيما تتولى الجامعات والأندية والجمعيات جانباً من التأطير والتنافس والتكوين.

تتوزع المسؤوليات العملية على النحو التالي:

  • الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية: تحديد الأولويات في مشروع قانون المالية، وتوزيع الموارد، ومتابعة تنفيذ الاعتمادات، وربط الإنفاق بالأهداف المعلنة.

  • القطاع الحكومي المكلف بالرياضة: إعداد السياسة الرياضية وتنفيذها وتنسيق البرامج ومراقبة المؤسسات الرياضية وتدبير المنشآت التابعة له.

  • قطاع التعليم والأكاديميات والمديريات التعليمية: توفير شروط ممارسة التربية البدنية، وتأمين الأطر والتجهيزات، وتحويل البرامج المدرسية إلى أنشطة منتظمة.

  • الجماعات الترابية والجهات: الإسهام في توفير الملاعب والمنشآت المحلية وصيانتها وتدبيرها، كل بحسب اختصاصاته واتفاقياته وموارده.

  • الجامعات الرياضية والأندية والجمعيات: تنظيم الممارسة والتكوين والمنافسات، وتطوير التأطير، واحترام قواعد الحكامة والشفافية وحماية الرياضيين.

  • البرلمان وأجهزة الرقابة: فحص الاعتمادات والنتائج، ومساءلة المؤسسات عن التنفيذ، والتحقق من أوجه القصور عند ظهورها.

ولا يعني هذا التوزيع أن المسؤولية تضيع بين المؤسسات بالضرورة؛ لكنه يجعل التنسيق وتحديد الجهة المكلفة بكل نتيجة شرطين أساسيين. فإذا أُنجز ملعب ولم يُفتح أمام الشباب، وجب التحقق من الجهة المسؤولة عن تشغيله. وإذا افتُتح من دون صيانة أو مؤطرين، فلا يكفي احتساب إنجازه ضمن الحصيلة. وإذا تعثرت الرياضة المدرسية، ينبغي تحديد ما إذا كان الخلل في التجهيز أو الموارد البشرية أو البرمجة أو التنسيق.

وقد شدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على ضرورة إخضاع البنيات الرياضية لدراسات مسبقة تحدد أهدافها وتكاليف بنائها واستغلالها وصيانتها، وعلى اعتماد مؤشرات واضحة لمتابعة أداء ملاعب القرب.

هذه التوصيات تنقل النقاش من سؤال «من بنى الملعب؟» إلى سؤال أكثر أهمية: من يضمن أن يظل الملعب مفتوحاً ومتاحاً ويؤدي الوظيفة التي أُنشئ من أجلها؟

هل يستفيد المغرب من الرياضة بوصفها صناعة، أم يكتفي بالتعامل معها كنفقة اجتماعية؟

هناك جانب آخر في الملف لا يقل أهمية عن التربية والصحة: الاقتصاد وفرص الشغل. فالرياضة تحتاج إلى مدربين وحكام ومسيرين وتقنيين وأطباء مختصين ومسؤولي منشآت ومنظمي منافسات، كما تخلق فرصاً في الإعلام الرياضي والتجهيزات والنقل والإيواء والتسويق والرعاية والإنتاج السمعي البصري.

في رأيه المنشور سنة 2022، قدّر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مساهمة قطاع الرياضة في الناتج الداخلي الإجمالي بنحو 0.5 في المائة سنة 2020، استناداً إلى البيانات المتاحة آنذاك. ودعا إلى تطوير القطاع ليصبح صناعة قادرة على خلق الثروة وفرص العمل المستدامة، مع تحسين الإطار القانوني والتنظيمي وتوسيع الاستثمار الخاص.

ويستحق هذا التشخيص أن يُربط مباشرة ببرنامج الستة مليارات درهم. فإذا كانت الحكومة تريد إدماج الشباب في سوق الشغل، فإن تطوير الاقتصاد الرياضي يمكن أن يشكل أحد المسارات المساندة لهذا الهدف. لكن ذلك يتطلب أكثر من إنشاء الملاعب أو تنظيم التظاهرات الكبرى؛ إنه يحتاج إلى مؤسسات قابلة للاستمرار، ومقاولات رياضية، وتكوين مهني متخصص، وعقود واضحة، وفرص استثمار لا تقتصر على كرة القدم أو على عدد محدود من الرياضات.

ويشمل هذا النقاش الرياضات الفردية والجماعية، والرياضات القتالية، والرياضات المائية، وألعاب القوى، والجمباز، وغيرها من التخصصات التي قد تتيح فرصاً للشباب خارج المسارات الرياضية الأكثر حضوراً إعلامياً.

وتبرز مشكلة أخرى عندما يظل النادي الصغير رهين المنح الموسمية، أو حين لا يجد المستثمر إطاراً تنظيمياً مناسباً، أو عندما لا يستطيع المدرب تحويل خبرته إلى مهنة مستقرة. عندئذ لا تتعطل ممارسة الرياضة وحدها؛ تتعطل معها سلسلة من الأنشطة الاقتصادية وفرص التشغيل والتكوين.

لكن تحويل الرياضة إلى صناعة لا ينبغي أن يعني إخضاع كل نشاط رياضي لمنطق الربح. فالرياضة للجميع تؤدي وظيفة اجتماعية حتى عندما لا تحقق عائداً تجارياً، والطفل في حي محدود الدخل لا ينبغي أن يفقد حقه في الممارسة لأن مشروعاً رياضياً لا يضمن للمستثمر مردودية كافية. المطلوب هو التمييز بين المنشآت والبرامج ذات الوظيفة الاجتماعية، والأنشطة القابلة للاستثمار التجاري، ثم بناء نماذج تمويل وتدبير تناسب كل فئة.

أي صورة عن الشباب تريدها السياسات العمومية؟

تتجاوز القضية عدد الحصص الرياضية وحجم الدعم المالي إلى الطريقة التي يُنظر بها إلى الشباب نفسه.

فالرياضة المنتظمة، حين تُمارس في إطار تربوي سليم، تمنح الشباب فرصة لاختبار قدراتهم، والتعامل مع الضغط، واحترام القواعد، وتقبل الخسارة، والتعاون مع الآخرين، وتحمل نتائج قراراتهم. وهي لا تصنع هذه الصفات آلياً؛ فذلك يتوقف على جودة التأطير، وأخلاقيات المدربين، وعدالة المنافسة، ومدى احترام كرامة الرياضي وحمايته.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن تتحول المقارنة بين الرياضة والفن والثقافة إلى مواجهة بين مجالات لا تتعارض بالضرورة. فالفن والثقافة قادران على بناء الوعي والإبداع والخيال النقدي، كما تستطيع الرياضة أن تعزز الصحة والانضباط والثقة بالنفس. المشكلة تبدأ عندما يُختزل نجاح الشباب في الشهرة والصورة والاستهلاك، أو عندما يُقدَّم الاستعراض بوصفه بديلاً عن المعرفة والعمل والإنتاج والمسؤولية.

ولا توجد، ضمن الوثائق التي جرى الاطلاع عليها في هذا التحقيق، أدلة تثبت أن جهات معينة تعمل عمداً على تهميش الرياضة بهدف إضعاف استقلالية الشباب أو توجيه سلوكهم. مثل هذا الادعاء يحتاج إلى وثائق أو قرارات أو تصريحات أو أدلة قابلة للتحقق، لا إلى استنتاج مبني على التباين بين حضور بعض المنتجات الفنية وضعف الممارسة الرياضية.

لكن يمكن مساءلة المؤسسات عن أثر اختياراتها، من دون افتراض نيات خفية: ما الموارد التي تُخصص للتربية البدنية؟ ما حجم الاستثمار في المنشآت المفتوحة للجمهور؟ كيف تُقاس استفادة الشباب؟ وهل تُمنح الوقاية الصحية والتنشئة الاجتماعية المكانة نفسها التي تحظى بها النتائج الرياضية والتظاهرات الكبرى في تقييم السياسات العمومية؟

هذا هو الفارق بين اتهام غير مثبت وتحقيق قابل للمساءلة.

ما الذي ينبغي أن تكشفه الأرقام قبل الحديث عن الإصلاح؟

حتى لا يبقى النقاش أسير الانطباعات، يحتاج الملف إلى نشر مجموعة من المعطيات بصورة منتظمة ومقارنة:

  1. الاعتمادات السنوية المخصصة للرياضة للجميع والرياضة المدرسية والرياضة الجامعية والرياضة ذات المستوى العالي، مع فصل نفقات التسيير عن الاستثمار.

  2. نسبة تنفيذ الميزانيات، والمشاريع المتأخرة، وتكاليف صيانة المنشآت، وعدد المرافق التي تعمل فعلياً.

  3. توزيع البنيات الرياضية والأطر المؤهلة حسب الجهات والأقاليم، مع إظهار الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.

  4. عدد الممارسين المنتظمين، لا عدد المشاركين في الأنشطة وحده، مع بيانات بحسب العمر والجنس ونوع الرياضة.

  5. وضعية التربية البدنية في المؤسسات التعليمية، وعدد الحصص المنجزة، ومدى توفر التجهيزات والمدرسين.

  6. حجم الدعم العمومي الموجه إلى الجامعات والأندية والجمعيات، ومعايير توزيعه، والنتائج التي تحققت مقابل الأموال المصروفة.

  7. أثر البرامج الرياضية في فرص الشغل، واستمرار الشباب في التكوين والممارسة، وإمكانية تطوير مسارات مهنية داخل الاقتصاد الرياضي.

ويتيح نشر هذه البيانات معرفة ما إذا كانت الاختلالات، حيث توجد، ناتجة عن نقص الموارد أو ضعف التنسيق أو خلل التدبير أو تفاوت التوزيع الترابي. كما يتيح الاعتراف بالتقدم الذي تحققه البرامج الناجحة، بدلاً من وضع القطاع كله في خانة واحدة.

أما البرلمان، فبوسعه أن يربط مناقشة الميزانية الرياضية بأسئلة محددة عن النتائج، وأن يطلب من الحكومة توضيح ما تحقق من أهداف الاستراتيجيات السابقة، وما تغير في آليات التنفيذ، وما المؤشرات التي ستعتمد لقياس التحسن خلال السنوات المقبلة.

الرياضة في ميزان مشروع تأهيل الشباب

إن إعلان برنامج بقيمة ستة مليارات درهم لتأهيل الشباب في أفق 2027 وما بعدها يفتح فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين التكوين والعمل والصحة والممارسة الرياضية. لكنه لا يثبت، في حد ذاته، أن الرياضة أصبحت جزءاً متكاملاً من البرنامج، كما لا يثبت أن الحكومة أهملتها كلياً.

المؤكد أن للمغرب سياسة رياضية وبرامج مدرسية ومنشآت ومبادرات معلنة، وأن أرقام الاستفادة من بعض الأنشطة شهدت تطوراً. والمؤكد أيضاً أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سجل، في تقييمه للاستراتيجية الوطنية للرياضة، فجوة بين الطموحات والنتائج، ثم دعا إلى إصلاحات في الحكامة والتمويل والتكوين وتدبير البنيات.

ما لا تحسمه المعطيات المنشورة هو مقدار التحسن الفعلي في حق الشباب في ممارسة رياضة منتظمة، ومدى عدالة توزيع فرص الاستفادة، وحجم الموارد التي تصل إلى الرياضة القاعدية مقارنة بالاحتياجات.

وتبقى مسؤولية الحكومة والقطاع المكلف بالرياضة وقطاع التعليم والجماعات الترابية والهيئات الرياضية قائمة في حدود اختصاص كل جهة. أما إثبات مسؤولية جهة بعينها عن التهميش، أو القول إن هناك مستفيدين من استمرار الاختلالات، فيتطلب تحقيقاً إضافياً في القرارات والاعتمادات والعقود ونتائج التنفيذ.

فالشاب الذي يحتاج إلى فرصة عمل يحتاج أيضاً إلى مدرسة تؤهله، وفضاء رياضي يستطيع الوصول إليه، ومؤطر يساعده على تطوير قدراته. وإذا كان مشروع المالية يهدف إلى تأهيله للحياة المهنية، فإن تقييمه سيظل ناقصاً ما لم يُنظر كذلك إلى الشروط التي تساعده على بناء حياة صحية ومتوازنة، وعلى اكتساب المهارات التي لا توفرها قاعات التكوين وحدها.

أبرز الوثائق المرجعية للتحقيق