موال انتخابات 2026 تحت مجهر المجلس الأعلى للحسابات.. 90 يوماً لكشف مصادر التمويل وكلفة الحملات

0
116

بعد أسابيع من اقتراع 23 شتنبر 2026، انتقلت الانتخابات التشريعية إلى مرحلة أقل ظهوراً في المشهد السياسي، لكنها لا تقل أهمية من الناحية القانونية والمالية: مرحلة الكشف عن مصادر تمويل الحملات الانتخابية، وحصر النفقات التي تكبدها المرشحون، ووضع الحسابات أمام جهاز الرقابة المختص.

في بلاغ منشور بتاريخ 26 أكتوبر، ذكّر المجلس الأعلى للحسابات جميع وكلاء لوائح الترشيح لانتخاب أعضاء مجلس النواب بوجوب إيداع حسابات حملاتهم داخل أجل 90 يوماً من تاريخ الإعلان عن النتائج النهائية للاقتراع. ويشمل الملف بيان مصادر التمويل، وجرد المصاريف الانتخابية، والجداول الملحقة بها، وفق المادة 95 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 53.25.

لا يتعلق الأمر بإجراء إداري يستكمل به المرشح ملف ترشيحه بعد انتهاء المنافسة. فالحساب المالي يتيح الانتقال من متابعة ما ظهر خلال الحملة إلى فحص الأموال التي موّلتها، والنفقات التي صُرفت باسمها، والوثائق التي يفترض أن تسند الأرقام المصرح بها. غير أن الدعوة إلى إيداع الحسابات لا تعني، في حد ذاتها، أن المجلس سجل مخالفات أو أن مرشحاً بعينه ارتكب تجاوزاً؛ إنها بداية مسطرة رقابية يتعين أن تُقرأ نتائجها على ضوء ما ستكشفه الوثائق والفحوص.

مسطرة من مرحلتين.. التصريح الإلكتروني لا يكفي وحده

التفاصيل الإجرائية التي نشرها المجلس على موقعه الرسمي تكشف أن الإيداع لا يقتصر على ملء استمارة رقمية وإرسالها. فالمسطرة تجمع بين التصريح الإلكتروني وإيداع النسخة المادية، مرفقة بالوثائق المثبتة للمصاريف، لدى كتابة ضبط المجلس الأعلى للحسابات أو المجلس الجهوي المختص ترابياً.

وتبدأ العملية عبر المنصة المخصصة لذلك: elections.courdescomptes.ma. ويُطلب من وكيل اللائحة إدخال بياناته وبيانات الدائرة الانتخابية، وتعبئة الجداول الخاصة بمصادر التمويل والنفقات، ثم طباعة الحساب المودع إلكترونياً وتوقيعه، وحجز موعد لإيداع الملف الورقي.

وتشمل الوثائق المطلوبة، وفق دليل المجلس، ما يثبت المصاريف المصرح بها، وتصريحاً بالشرف بصحة المعطيات، ووثيقة إثبات الترشيح، وكشوفات الحساب البنكي الخاص بالحملة الانتخابية.

هذه التفاصيل مهمة عند تقييم جدية الرقابة. فوجود حساب مصرح به لا يساوي تلقائياً التحقق من صحة كل بند فيه، كما أن جمع الفواتير والوثائق لا يحسم وحده في مدى مطابقة النفقات للقواعد القانونية. قيمة المسطرة تظهر في قدرة أجهزة المجلس على مطابقة التصريحات بالمستندات، وفحص طبيعة المصاريف، والتحقق من مصادر الأموال التي موّلت الحملة.

ماذا تقول القوانين، وما الذي ينبغي أن تكشفه المراقبة؟

يستند تدخل المجلس إلى الفصل 147 من الدستور، الذي يخول للمجلس الأعلى للحسابات فحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية. أما المادة 95 من القانون التنظيمي رقم 27.11، في صيغته المعدلة بالقانون التنظيمي رقم 53.25، فتحدد الالتزام بإيداع حساب الحملة داخل الأجل القانوني.

والقانون التنظيمي رقم 53.25 نُفذ بموجب الظهير الشريف رقم 1.25.70 الصادر في 16 يناير 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026، وفق النص المنشور على موقع الأمانة العامة للحكومة.

لذلك، لا يتعلق الأمر بقاعدة مستحدثة لمجرد أن المجلس أعاد التذكير بها بعد اقتراع شتنبر. الجديد في اللحظة الراهنة هو دخول المرشحين المعنيين مرحلة تطبيق الالتزام على حسابات حملاتهم الخاصة بانتخابات 2026، في ظل الصيغة القانونية المعدلة.

وتستحق ثلاثة مستويات من الفحص اهتماماً خاصاً في النتائج التي ستصدر لاحقاً.

الأول هو مصادر التمويل: هل جرى التصريح بها بصورة واضحة، وهل تتطابق مع المستندات والمعطيات التي يتيحها الملف المالي؟ والثاني هو النفقات: هل تعكس الحسابات المصاريف الفعلية للحملة، وهل تتوفر لكل نفقة وثائق تثبتها وتوضح طبيعتها؟ أما الثالث فيتعلق بمدى احترام القواعد القانونية المنظمة للتمويل والإنفاق الانتخابيين.

هذه أسئلة رقابية مشروعة، لكنها لا تمثل اتهامات موجهة إلى أي حزب أو مرشح. ولا تتوفر في البلاغ المنشور معطيات تسمح بالجزم بوجود اختلالات في حسابات انتخابات 2026، أو تحديد حجم الأموال التي أنفقتها اللوائح، أو ترتيب المسؤولية عن مخالفات محتملة.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إيداع الملفات

تُقاس فعالية الرقابة المالية بقدرتها على الانتقال من إلزام المرشحين بالتصريح إلى فحص ما صرحوا به، ثم توضيح نتائج الفحص وما يترتب عليها قانوناً عند الاقتضاء.

والنقطة التي ينبغي الانتباه إليها أن أجل التسعين يوماً يُحتسب من تاريخ الإعلان عن النتائج النهائية، وليس آلياً من يوم الاقتراع، كما ورد صراحة في بلاغ المجلس. لذلك، فإن تحديد آخر يوم للإيداع يقتضي الرجوع إلى تاريخ الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية، لا الاكتفاء بتاريخ 23 شتنبر 2026.

كذلك، لا يتيح البلاغ وحده معرفة عدد الملفات التي ستُودع، أو عدد الحسابات التي ستحتاج إلى استكمال وثائقها، أو حجم النفقات التي ستخضع لملاحظات المجلس. هذه معطيات ينبغي أن تظهر من خلال أعمال الرقابة وما ينشره المجلس بشأن نتائجها.

ويبقى نشر النتائج وتوضيح الملاحظات، متى توفرت المعطيات الرسمية، ضرورياً حتى لا تنتهي العملية عند حدود وصل الإيداع. فالمواطن الذي تابع الحملة الانتخابية، وشاهد الإعلانات والأنشطة والتجمعات التي رافقتها، له مصلحة مشروعة في معرفة مدى احترام قواعد تمويلها، ضمن ما تسمح به القوانين وما تثبته الوثائق.

المجلس الأعلى للحسابات وضع الالتزام القانوني أمام وكلاء اللوائح. أما ما ستكشفه الحسابات عن تمويل الحملات وكلفة المنافسة الانتخابية، فلا يمكن حسمه قبل فحص الملفات وظهور نتائج موثقة.