ما بعد المينورسو.. الملك محمد السادس يضع محددات المرحلة الجديدة: السيادة الوطنية، أمن الأقاليم الجنوبية واستمرار التنمية دون فراغ مؤسساتي

0
121

بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم 4 نونبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، يحمل أكثر من رسالة سياسية ودبلوماسية مرتبطة بانتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة بالصحراء المغربية. فهو يرسم ملامح تصور مغربي للمرحلة التالية، ويحدد الأولويات التي ينبغي أن تؤطر تدبير هذا التحول، ويعيد ترتيب العلاقة بين ثلاثة عناصر مترابطة: السيادة الوطنية، الاستقرار الميداني، واستمرار المسار التنموي بالأقاليم الجنوبية.

والأهم في مضمون البلاغ أن المؤسسة الملكية لا تتعامل مع انتهاء ولاية البعثة باعتباره مجرد تطور إداري داخل منظومة الأمم المتحدة، وإنما باعتباره محطة تستدعي استعداداً مؤسساتياً وسياسياً ودبلوماسياً، يضمن ألا يتحول الانتقال إلى فراغ في التنسيق أو مصدر لعدم اليقين. ومن هذه الزاوية، يصبح البلاغ وثيقة سياسية تحدد اتجاه الدولة في مرحلة جديدة، وتضع المسؤوليات أمام المؤسسات المعنية، كما توجه رسائل إلى الداخل والخارج، كلٌّ بحسب موقعه من هذا الملف.

ومن الضروري هنا التأكيد أن الأفكار والتوجيهات والمواقف الواردة في هذا المقال مستمدة من بلاغ الديوان الملكي، وأن الفضل في تحديد مضامينها السياسية والاستراتيجية يعود إلى المؤسسة الملكية صاحبة البلاغ، فيما تتمثل المعالجة الصحافية في تفكيك دلالاتها وربطها بسياقاتها وطرح الأسئلة التي تفتحها أمام النقاش العمومي.

من تدبير النزاع إلى تدبير المرحلة: السيادة باعتبارها محدداً للقرار

أول ما يستوقف القارئ في البلاغ هو الطريقة التي يربط بها الملك محمد السادس بين انتهاء مهام البعثة الأممية وبين ثوابت لا تقبل التأجيل أو التأويل، وفي مقدمتها سلامة الأراضي المغربية، والوحدة الوطنية، والأمن الوطني، وطمأنينة المواطنين، خصوصاً سكان الأقاليم الجنوبية.

هذا الترتيب ليس تفصيلاً بروتوكولياً. إنه يضع الأولويات المغربية في تسلسل واضح: لا تغيير في الوضع المرتبط بالسيادة الوطنية، ولا ارتباك في تدبير الأمن والاستقرار، ولا تراجع عن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، بصرف النظر عن التحولات التي تعرفها الآليات الدولية التي واكبت الملف على مدى عقود.

وتكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تنقل النقاش من سؤال انتهاء مهمة أممية إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية تدبير الدولة لمرحلة ما بعد هذه المهمة. فالمؤسسات المغربية مطالبة اليوم بإظهار قدرتها على ضمان الاستمرارية، وتنسيق المسؤوليات، ومواكبة التطورات الميدانية والدبلوماسية، دون أن يتحول انتهاء الولاية إلى مساحة للاجتهادات المتضاربة أو القراءات المتسرعة.

وعندما يشدد البلاغ على أن كل مؤسسة ستتحمل مسؤوليتها في حدود اختصاصها، فإن الرسالة تتجه مباشرة إلى الجهاز التنفيذي والإداري والأمني والعسكري والدبلوماسي. إنها دعوة إلى الانتقال من منطق متابعة التطورات إلى منطق الاستعداد لها، ومن الاكتفاء بإعلان المواقف إلى ترجمتها إلى إجراءات مؤسساتية قابلة للتنفيذ.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الإدارة المغربية، بمختلف مستوياتها المركزية والترابية، أن تواكب مرحلة بهذه الحساسية بالسرعة والنجاعة نفسيهما اللتين تقتضيهما التوجيهات الملكية؟ وهل تمتلك المؤسسات آليات تنسيق تمنع التداخل في الاختصاصات، وتضمن وضوح القرار والمعلومة والمسؤولية؟

فالسيادة، في بعدها السياسي والمؤسساتي، لا تتجسد في المواقف الدبلوماسية وحدها؛ إنها تظهر أيضاً في قدرة الدولة على حماية الاستقرار، وتدبير المجال، وضمان الحقوق، وتقديم الخدمات، وإثبات أن المؤسسات حاضرة بفعاليتها اليومية.

الأقاليم الجنوبية.. التنمية ليست ملفاً موازياً للسيادة

من بين أهم ما يستحق التوقف عنده في البلاغ الملكي إصرار جلالة الملك على مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة المرتبطة به.

هذه الإشارة تضع التنمية في قلب المرحلة المقبلة، لا باعتبارها برنامجاً اجتماعياً واقتصادياً منفصلاً عن قضية الوحدة الترابية، وإنما باعتبارها أحد التعبيرات العملية عن مسؤولية الدولة تجاه المجال وسكانه.

فالاستثمار في البنيات التحتية والموانئ والطرق والطاقة والخدمات والتعليم والصحة والتشغيل، لا يكتسب قيمته فقط من حجم الاعتمادات المالية المرصودة له، وإنما من قدرته على تغيير شروط العيش والإنتاج، وخلق فرص حقيقية للشباب، وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء اقتصادي قادر على الاندماج في محيطه الوطني والإفريقي والدولي.

وهذا يضع الحكومة المغربية أمام امتحان يتجاوز تدبير المشاريع المعلنة إلى قياس نتائجها الاجتماعية والاقتصادية. فالمواطن في العيون والداخلة وبوجدور والسمارة وغيرها من مناطق الأقاليم الجنوبية، ينتظر أن تنعكس الاستثمارات على دخله وفرص عمله وجودة الخدمات العمومية، وعلى قدرة المقاولات المحلية على المشاركة في الدورة الاقتصادية.

ومن هنا، تبرز ضرورة الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق تقييم أثرها، ومن احتساب حجم الاستثمار إلى قياس القيمة التي يخلقها لفائدة السكان.

هل ستتحول المرحلة الجديدة إلى فرصة لتسريع التنمية الصناعية واللوجستية والبحرية؟ وهل ستتمكن الحكومة من توسيع قاعدة التشغيل المحلي، وإدماج الشباب في سلاسل الإنتاج، وتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؟ وكيف يمكن ضمان أن تستفيد المقاولات الصغيرة والمتوسطة والطاقات المحلية من المشاريع الكبرى، بدل أن تظل حبيسة دور ثانوي في محيط استثمارات ضخمة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة لأن البلاغ يربط صراحة بين تعزيز الإجماع الوطني ومواصلة المشروع التنموي. والإجماع، في معناه العملي، لا يستمد قوته من وحدة الموقف السياسي فقط، بل يتغذى أيضاً من الثقة في المؤسسات، والإنصاف في توزيع الفرص، والشعور بأن التنمية تصل إلى المواطن في حياته اليومية.

وقف إطلاق النار.. رسالة تهدئة تقترن باليقظة

في فقرة أخرى بالغة الأهمية، يؤكد البلاغ أن التزام المملكة بوقف إطلاق النار التزام إرادي لن يتغير بانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة.

هذه العبارة تحمل دلالة سياسية وأمنية واضحة. فهي تفصل بين استمرار الالتزام المغربي بالتهدئة وبين استمرار الآلية الأممية التي واكبت هذا الالتزام. بمعنى أن انتهاء ولاية البعثة لا يُقدَّم باعتباره مبرراً للتخلي عن ضبط النفس أو تغيير قواعد السلوك التي تعهد بها المغرب.

وفي المقابل، يشير البلاغ إلى أن البعثة لم تتمكن، في مناسبات عديدة، من مراقبة مدى احترام وقف إطلاق النار أو ترتيب الآثار على خرقه. وهي ملاحظة تعبر عن تقييم المؤسسة الملكية لأداء الآلية الأممية، وتضع مسألة فعالية المراقبة الدولية ضمن عناصر النقاش حول المرحلة التي انتهت.

غير أن التمسك بوقف إطلاق النار لا يعني التغاضي عن المخاطر أو إضعاف اليقظة. فالبلاغ يجمع بين الالتزام بالسلام وبين ضرورة حماية الأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، وهي معادلة تضع المؤسسات المعنية أمام مسؤولية مزدوجة: تجنب التصعيد، وضمان الجاهزية لمواجهة أي تطور قد يمس الاستقرار.

والرسالة هنا لا تتجه إلى الداخل المغربي وحده، بل تشمل الأطراف الأخرى المعنية بالنزاع، وفي مقدمتها الجزائر وجبهة البوليساريو. فالموقف المغربي، كما يعكسه البلاغ، يقوم على استمرار الالتزام بالتهدئة، مع رفض تحويل انتهاء الولاية الأممية إلى فرصة لخلق وقائع ميدانية جديدة أو ممارسة الضغط على المملكة.

وبالنسبة إلى الجزائر، فإن المرحلة تطرح سؤالاً سياسياً مباشراً حول مدى استعدادها للتعامل مع التحولات الجديدة بعقلية البحث عن تسوية واقعية، عوض الاستمرار في منطق المواجهة الإقليمية وإدامة النزاع.

أما جبهة البوليساريو، التي تحظى بدعم الجزائر وتتبنى موقفاً مناقضاً للموقف المغربي، فإن التطورات تضعها أمام تحدي مراجعة حساباتها السياسية، في ضوء التحولات التي عرفتها مواقف عدد من الدول والمرجعيات الدولية المرتبطة بمقترح الحكم الذاتي.

ومن الضروري التمييز هنا بين الموقف السياسي المغربي من الأطراف المعنية وبين الوقائع التي تحتاج إلى إثبات مستقل؛ فالمسؤولية عن أي خرق محتمل لوقف إطلاق النار ينبغي أن تُحدد استناداً إلى معطيات موثقة، لا إلى الاتهامات المتبادلة.

مكتب التنسيق مع المينورسو.. تفصيل إداري يكشف تصوراً مؤسساتياً

لعل أكثر النقاط عملية في البلاغ هي التعليمات الملكية المتعلقة بإسناد مهام التنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة الأممية إلى «مكتب التنسيق مع المينورسو»، التابع لوزارة الداخلية.

هذه الخطوة تتجاوز معناها الإداري المباشر. فهي تعني أن المغرب يريد أن تكون مرحلة الانتقال مؤطرة بقناة مؤسساتية محددة، تتولى التواصل والتنسيق ومواكبة الإجراءات المرتبطة بإنهاء مهام البعثة.

ويحمل اختيار وزارة الداخلية دلالة مرتبطة بطبيعة المهمة، التي تستلزم التنسيق الترابي والإداري والأمني واللوجستي، مع مراعاة الالتزامات الدولية والإجراءات التي تقتضيها عملية إنهاء الوجود الميداني للبعثة.

كما أن إسناد هذه المهمة إلى مكتب قائم، بدلاً من ترك المجال لتدبير ظرفي أو تنسيق غير محدد المسؤوليات، يعكس توجهاً نحو ضبط المرحلة وتفادي أي فراغ مؤسساتي.

لكن نجاح هذه العملية لن يُقاس بمجرد إنجاز إجراءات الانسحاب، وإنما بمدى احترام القواعد المنظمة للعلاقات مع الأمم المتحدة، وضمان سلامة الأفراد والممتلكات والمعدات، واستمرار قنوات التواصل الضرورية خلال المرحلة الانتقالية.

وهنا تبرز مسؤولية وزارة الداخلية في التنسيق، ومسؤولية باقي القطاعات في توفير المعطيات والخبرات المطلوبة، كل حسب اختصاصه.

والسؤال الذي يستحق المتابعة هو: هل ستظل هذه الآلية محصورة في مهمة مواكبة الانسحاب والتصفية، أم أن التجربة ستؤدي إلى تطوير منظومة وطنية أكثر تكاملاً لمتابعة التطورات المرتبطة بالملف على المستويات الميدانية والدبلوماسية والمؤسساتية؟

الأمم المتحدة.. احترام الالتزامات دون الارتهان لآليات تجاوزها الزمن

يخصص البلاغ حيزاً مهماً لتأكيد احترام المغرب لالتزاماته الدولية، ووفائه بعقيدته الدبلوماسية القائمة على الحفاظ على السلام والمساهمة فيه والسعي إلى تحقيقه.

وهنا تتجلى إحدى الرسائل الأساسية الموجهة إلى المجتمع الدولي: المغرب يربط بين صيانة سيادته الوطنية واحترام قواعد التعاون الدولي، ولا يعتبر التحول في وضعية بعثة أممية مبرراً للانسحاب من التزاماته أو القطيعة مع المنظمة الدولية.

لكن هذه الرسالة تفتح أيضاً نقاشاً حول مستقبل الدور الأممي في النزاع، خصوصاً بعد تعثر تجديد ولاية المينورسو.

ومن الناحية التوثيقية، فإن القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2025 كان قد مدد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وربط المسار السياسي بمقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، مع الإبقاء على صيغة الحل السياسي المتوافق عليه وإشارات القرار إلى تقرير المصير.

أما في 30 أكتوبر 2026، فقد أفاد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بأن مجلس الأمن لم يتمكن من اعتماد مشروعي قرارين، وأن ولاية البعثة كانت ستنتهي في 31 أكتوبر. وهذه نقطة مهمة لفهم الوضع القانوني والمؤسساتي: عدم تجديد الولاية جاء في سياق تعذر اعتماد قرار جديد، وليس نتيجة قرار أممي مستقل صيغ باعتباره حكماً نهائياً في السيادة أو تسوية مكتملة للنزاع.

هذا التمييز ضروري حتى لا تختلط القراءة السياسية بالوصف القانوني. فالمغرب يقدم انتهاء الولاية باعتباره تحولاً مهماً في مسار القضية الوطنية، لكن مستقبل العلاقة بين الأمم المتحدة والملف يظل مرتبطاً بالتطورات الدبلوماسية والسياسية وبمواقف الدول الأعضاء.

والرسالة المغربية، وفق البلاغ الملكي، تقوم على معادلة واضحة: التعاون مع الأمم المتحدة في حدود ما تقتضيه المسؤولية الدولية، مع رفض استمرار آليات يعتبر المغرب أن سياق نشأتها ووظائفها الأصلية لم تعد تعكس واقع التطورات.

وهذا يضع المجتمع الدولي أمام سؤال يتجاوز مستقبل بعثة بعينها: ما الإطار السياسي والدبلوماسي القادر على المساهمة في تسوية النزاع، في ظل التحولات التي عرفتها مواقف عدد متزايد من الدول؟

الجزائر.. هل تفرض التحولات الدولية مراجعة الحسابات الإقليمية؟

من الصعب قراءة الرسائل الملكية الواردة في البلاغ بمعزل عن الدور الجزائري في هذا النزاع، باعتبار الجزائر طرفاً أساسياً في معادلة التوتر الإقليمي، والداعم السياسي والدبلوماسي لجبهة البوليساريو.

فالبلاغ لا يذكر الجزائر بالاسم، لكنه يضع المرحلة المقبلة ضمن إطار حماية السيادة والأمن الوطني، ومتابعة التطورات على مختلف المستويات، والتمسك بموقف المملكة الذي سبق التعبير عنه. وهذه الصياغة تمنح الرسالة امتداداً يتجاوز المخاطبين المباشرين بالجلسة، لتصل إلى الأطراف الإقليمية التي تؤثر في مسار القضية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال أن استمرار النزاع يفرض كلفة سياسية وأمنية واقتصادية على المنطقة المغاربية، ويعطل فرص بناء فضاء إقليمي قائم على التكامل والتبادل التجاري والاستثمار المشترك. فالمغرب والجزائر بلدان يمتلكان إمكانات اقتصادية وبشرية وطاقية كبيرة، وكان بإمكان علاقاتهما أن تشكل رافعة للتنمية في شمال إفريقيا، بدل أن تظل الحدود المغلقة والتوتر السياسي عنواناً لعلاقة الجوار.

ومن منظور المصالح الاستراتيجية، فإن المرحلة الجديدة تطرح على الجزائر سؤالاً يتصل بكلفة استمرار النزاع، وبمدى انسجام سياستها الإقليمية مع التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية.

هل أصبح استمرار الرهان على جبهة البوليساريو، في ظل اتساع الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، خياراً قادراً على إنتاج نتيجة سياسية؟ أم أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى تعميق عزلة المنطقة وإهدار فرص التنمية المشتركة؟

أما جبهة البوليساريو، فإن التحولات الدولية تضع خطابها السياسي أمام اختبار جديد. فالمطلوب من أي مسار تفاوضي جاد هو الانتقال من الشعارات والمواقف المعلنة إلى البحث عن تسوية واقعية قابلة للتطبيق، تأخذ بعين الاعتبار مصالح السكان والاستقرار الإقليمي.

ومن جهة أخرى، فإن أي حديث عن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يتجاهل الأوضاع الإنسانية والاجتماعية لسكان مخيمات تندوف، وضرورة حماية حقوقهم وكرامتهم، وضمان ألا تتحول معاناة المدنيين إلى أداة لإدامة الصراع السياسي.

وهنا ينبغي أن تكون الرسالة إلى المجتمع الدولي واضحة: دعم السلام يقتضي معالجة أسباب النزاع، وتشجيع الحلول الواقعية، ومساءلة كل من يساهم في عرقلة التسوية أو تهديد الاستقرار، مع الاستناد إلى الوقائع والأدلة في أي تقييم للمسؤوليات.

الزخم الدبلوماسي.. من الاعترافات السياسية إلى تثبيت المكاسب

يعود البلاغ في خاتمته إلى الإشارة إلى المتغيرات الإيجابية التي عرفتها القضية الوطنية، والزخم الدبلوماسي الذي رافقها، وما نتج عنه من اعترافات ومواقف دولية داعمة لسيادة المغرب على صحرائه، واعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الوحيد الذي يوفر مقومات الطي النهائي لهذا النزاع، وفق الموقف المغربي.

هذه الإشارة ليست مجرد استحضار للمكاسب السابقة، وإنما تذكير بأن الدبلوماسية المغربية مطالبة بمواصلة العمل على تحويل الدعم الدولي إلى مواقف سياسية مستقرة، وشراكات اقتصادية ومؤسساتية ملموسة.

فالاعتراف السياسي يكتسب وزنه الاستراتيجي عندما يترجم إلى تعاون دبلوماسي مستمر، واستثمارات، وشراكات تجارية، وحضور اقتصادي في الأقاليم الجنوبية، ومساندة للمبادرات المغربية داخل المؤسسات الدولية.

وكان بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 قد أشار إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يدعمون بوضوح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره إطاراً وحيداً لتسوية النزاع.

غير أن الحفاظ على هذا الزخم يقتضي عملاً دبلوماسياً متواصلاً، لأن المواقف الدولية تتأثر بالمصالح والتحولات السياسية وتوازنات العلاقات بين الدول. ومن ثم، فإن التحدي لم يعد مقتصراً على استقطاب الاعترافات، وإنما يشمل تثبيت المصداقية المغربية في تدبير الملف، وإظهار قابلية مشروع الحكم الذاتي للتنفيذ، وتقديم صورة مؤسساتية وتنموية تعكس جدية التصور المغربي.

وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والإعلامية والبرلمانية، إلى جانب الدبلوماسية الرسمية. فالمعركة الدبلوماسية لا تُحسم فقط داخل قاعات الاجتماعات، وإنما تتشكل أيضاً عبر الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية والمنتديات الدولية ووسائل الإعلام.

كما أن الجاليات المغربية بالخارج، والطاقات الأكاديمية والمهنية المغربية، يمكن أن تضطلع بأدوار مهمة في التعريف بالتحولات التنموية والمؤسساتية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، شريطة توفير أدوات العمل والتواصل والمعلومات الموثوقة.

المجتمع المغربي.. الإجماع مسؤولية تتجاوز الشعارات

من الرسائل التي ينبغي ألا تغيب عن القراءة أن البلاغ يربط بين تعزيز الإجماع الوطني وحماية المصالح العليا للمملكة.

وهذا الربط يضع المجتمع المغربي أمام مسؤولية المشاركة في صيانة وحدته الوطنية، لكنه يضع الدولة ومؤسساتها أيضاً أمام مسؤولية الحفاظ على الثقة التي يقوم عليها هذا الإجماع.

فالقضايا الوطنية الكبرى لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للمزايدات أو التضليل أو استغلال المشاعر، كما لا ينبغي أن تكون موضوعاً مغلقاً أمام النقاش المسؤول حول السياسات العمومية ونجاعة التدبير.

ومن هنا، تبرز أهمية الإعلام الوطني في مواكبة المرحلة، من خلال تقديم المعلومة الدقيقة، والتمييز بين الخبر والتحليل والموقف، ومواجهة الأخبار المضللة، وعدم تحويل كل تطور دبلوماسي إلى مناسبة للاحتفال غير المرتبط بالوقائع.

كما أن الجامعات والمدارس ومؤسسات الثقافة مطالبة بتعميق المعرفة بتاريخ الصحراء المغربية، وبالتحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، وبمفهوم الحكم الذاتي ومؤسساته وآفاقه.

فالوحدة الوطنية لا تستمد قوتها من الذاكرة التاريخية وحدها، وإنما من قدرتها على تجديد الروابط بين المواطنين، وتوسيع المشاركة، وضمان العدالة المجالية، وصيانة التنوع الثقافي في إطار الهوية الوطنية الجامعة.

وهذا يفتح سؤالاً مهماً: كيف يمكن تحويل الإجماع الوطني حول الوحدة الترابية إلى ثقافة مواطنة وممارسة مؤسساتية يومية، يشعر من خلالها المواطن بأن الدفاع عن المصالح الوطنية مرتبط أيضاً بالدفاع عن كرامته وحقوقه وفرصه في التنمية؟

إن هذه المعادلة تجعل من الحكامة الجيدة، والشفافية، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، عناصر لا تقل أهمية عن التحرك الدبلوماسي والأمني.

الحكومة أمام اختبار التنفيذ.. التوجيه الملكي يحتاج إلى ترجمة مؤسساتية

حضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار جلالة الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، يعكس طبيعة الجلسة وتعدد الأبعاد التي تتطلبها المرحلة.

فالقضية لا تُدار من زاوية واحدة. هناك البعد السياسي والدبلوماسي، والبعد الإداري والترابي، والبعد الأمني والعسكري، ثم البعد الاقتصادي والاجتماعي الذي يتصل باستمرار المشاريع التنموية.

وبالتالي، فإن الحكومة مطالبة بتنسيق عمل القطاعات المعنية، وتوفير الشروط اللازمة لتنفيذ التوجيهات الملكية، وضمان استمرارية المشاريع المهيكلة، وتقديم نتائج قابلة للقياس.

كما أن وزارة الداخلية تواجه مسؤولية مباشرة في مواكبة الترتيبات المرتبطة بإنهاء مهام البعثة، بينما تتطلب المرحلة حضوراً منسقاً لقطاعات الخارجية والاقتصاد والمالية والتجهيز والتنمية الاجتماعية، كل في نطاق اختصاصه.

والأهم أن تدبير هذه المرحلة لا ينبغي أن يظل محصوراً في ردود الفعل على التطورات الخارجية. فالمطلوب بناء رؤية استباقية، تستحضر السيناريوهات المحتملة، وتحدد آليات اتخاذ القرار، وتضمن وحدة الخطاب الرسمي، ووضوح المسؤوليات.

وهنا يبرز السؤال الذي سيظل حاضراً في تقييم أداء المؤسسات خلال المرحلة المقبلة: هل ستنجح الحكومة في تحويل التوجيهات الملكية إلى برنامج عمل متكامل، بآجال ومسؤوليات ومؤشرات واضحة، أم ستظل بعض مضامين المرحلة رهينة التدبير الإداري اليومي؟

فالرهان الحقيقي هو أن تتقدم المؤسسات في التنفيذ بالسرعة والجدية اللتين تفرضهما أهمية القضية، وأن تكون نتائج العمل ملموسة لدى المواطنين، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية.

ما بعد المينورسو.. مرحلة جديدة بمسؤوليات أكبر

إذا كان انتهاء ولاية المينورسو يطوي مرحلة من مراحل الحضور الأممي في الصحراء المغربية، فإن البلاغ الملكي الصادر في 4 نونبر 2026 يكشف أن المغرب يريد أن يكون مستعداً لما بعدها، سياسياً ومؤسساتياً وأمنياً وتنموياً.

واللافت أن البلاغ يجمع بين ثلاثة اختيارات متكاملة: التمسك بالسيادة الوطنية، والاستمرار في الالتزام بوقف إطلاق النار، ومواصلة التعاون الدولي، بالتوازي مع تسريع المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية.

هذه العناصر ترسم تصوراً لمرحلة لا يكفي فيها تسجيل المكاسب الدبلوماسية، وإنما يتعين تحويلها إلى واقع سياسي واقتصادي واجتماعي مستقر.

كما أن انتهاء ولاية البعثة لا يعني، في حد ذاته، أن جميع جوانب النزاع قد حُسمت قانونياً ودولياً، أو أن الحاجة إلى العمل الدبلوماسي انتهت. فالتطور الذي عرفه مجلس الأمن يفتح مرحلة تتطلب مواصلة التفاوض والتواصل الدولي، وتدبير الاختلافات السياسية، وتقديم الحلول القابلة للتطبيق.

ومن هنا، فإن الرسالة الأعمق في البلاغ تتجاوز المينورسو نفسها: الدولة المغربية مطالبة بإثبات قدرتها على إدارة المرحلة الجديدة بفعالية، والمجتمع مطالب بالحفاظ على تماسكه، والحكومة مطالبة بتحويل التوجيهات إلى نتائج، فيما يظل المجتمع الدولي مطالباً بدعم مسار السلام واحترام الالتزامات الدولية.

أما الجزائر، فتواجه بدورها سؤالاً استراتيجياً حول مستقبل سياستها تجاه المغرب، وحول إمكان الانتقال من منطق التنافس والصراع إلى منطق التعاون الإقليمي الذي يخدم شعوب المنطقة.

وفي المحصلة، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بما انتهى من مهام بعثة أممية، وإنما بما ستنجح المملكة في بنائه بعد ذلك: مؤسسات أكثر جاهزية، وتنمية أكثر إنصافاً، ودبلوماسية أكثر تأثيراً، واستقرار يحمي المواطنين ويعزز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً.

وهذا هو الرهان الذي تضعه التوجيهات الملكية أمام مختلف المؤسسات: أن تتحول المكاسب السياسية والدبلوماسية إلى قوة مؤسساتية وتنموية مستدامة، وأن تظل السيادة الوطنية مرتبطة بمسؤولية الدولة عن حماية الإنسان والمجال والمستقبل.