البنك الدولي يعلن انتصار النمو… والجواهري ينسف الرواية: الاقتصاد ينتج الثروة ولا يوزعها

0
86

المغرب ينمو… لكن المغاربة لا يشعرون بذلك…حين يصطدم تقرير البنك الدولي بواقع الجواهري… ويتحول السؤال من حجم النمو إلى من يستفيد منه

عندما أعلن البنك الدولي أن الاقتصاد المغربي حقق سنة 2025 أفضل معدل نمو منذ أكثر من عقد بنسبة بلغت 4.9 في المائة، بدا الأمر وكأنه شهادة دولية جديدة على نجاح الخيارات الاقتصادية للمملكة. فقد بدا المشهد، من زاوية المؤشرات الكلية، مطمئناً: تضخم منخفض، استثمارات عمومية غير مسبوقة، انتعاش فلاحي بعد سنوات الجفاف، تحسن في المالية العمومية، واستعادة التصنيف الاستثماري. إنها الأرقام التي تحب الحكومات تقديمها باعتبارها دليلاً على سلامة المسار الاقتصادي.

لكن الاقتصاد لا يعيش داخل التقارير، بل يعيش داخل البيوت والأسواق وأحياء المدن والقرى، حيث لا تقاس التنمية بنسبة النمو، وإنما بقدرة الأسرة على شراء حاجياتها، وقدرة الشاب على العثور على وظيفة، وقدرة الطبقة الوسطى على الصمود أمام تكاليف المعيشة. وهنا تبدأ المسافة الفاصلة بين الاقتصاد كما تصفه المؤسسات الدولية، والاقتصاد كما يعيشه المواطن المغربي.

الجواهري يهدم وهم النمو: الثروة تُنتج… لكنها لا تصل إلى المغاربة

ولذلك، فإن القراءة المعمقة لتقرير البنك الدولي لا تكتمل إلا إذا وُضع إلى جانب التقرير السنوي لبنك المغرب، الذي قدمه والي البنك عبد اللطيف الجواهري، والذي جاء ليقلب زاوية النظر بالكامل. فبينما احتفى البنك الدولي بقوة النمو، حذر بنك المغرب من أن المشكلة لم تعد في إنتاج الثروة، وإنما في وصول هذه الثروة إلى المجتمع. إنها ليست معركة النمو، بل معركة العدالة داخل النمو.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى. فمن الناحية المحاسبية، لا يوجد ما يدعو إلى القلق الكبير؛ فقد ارتفع الناتج الداخلي الخام، وتراجع التضخم إلى مستويات مريحة، وتحسنت المؤشرات المالية، واستمرت الاستثمارات العمومية في ضخ مليارات الدراهم في مشاريع البنية التحتية، خصوصاً تلك المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030. غير أن هذه الدينامية لم تُترجم، بالوتيرة نفسها، إلى تحسن ملموس في حياة أغلبية المغاربة.

فإذا كان الاقتصاد قد نما بنسبة تقارب خمسة في المائة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين ذهبت ثمار هذا النمو؟ ولماذا لا يزال المواطن يشعر بأن قدرته الشرائية تتراجع، وأن فرص العمل أصبحت أكثر ندرة، وأن الخدمات الأساسية لا تزال تعاني اختلالات بنيوية؟

الإجابة تكمن في طبيعة النمو نفسه. فالنمو الذي يبنى أساساً على الاستثمار العمومي والبنيات التحتية يظل ضرورياً لتحديث الاقتصاد، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى وظائف مستقرة أو دخول مرتفعة إذا لم يرافقه توسع قوي للاستثمار الخاص المنتج، وتحسن في إنتاجية المقاولات، واتساع في القاعدة الصناعية، وارتفاع في القيمة المضافة للأنشطة الاقتصادية.

وهذا ما أشار إليه البنك الدولي نفسه، وإن بلغة تقنية أكثر هدوءاً. فقد اعترف بأن سوق الشغل لا يزال الحلقة الأضعف داخل الاقتصاد المغربي، وأن معدل نقص استخدام اليد العاملة بلغ مستويات مرتفعة، بينما ما تزال مشاركة النساء في سوق العمل من بين الأضعف إقليمياً، وما زال النمو غير قادر على إنتاج فرص عمل كافية ومستدامة.

لكن بنك المغرب يذهب أبعد من ذلك بكثير. فهو لا يكتفي بوصف اختلال سوق الشغل، بل يكشف أن المشكلة أصبحت بنيوية. فحين يكون أقل من أربعة أشخاص فقط من أصل عشرة في سن النشاط يشتغلون فعلياً، وحين يبقى ملايين الشباب خارج التعليم والتكوين والعمل، فإن الاقتصاد لا يعاني من أزمة دورية، وإنما من أزمة إدماج اجتماعي تمس صميم النموذج التنموي.

ولذلك، فإن الحديث عن تحقيق 193 ألف منصب شغل يفقد كثيراً من بريقه عندما نعلم أن مئات الآلاف يدخلون سوق العمل كل سنة، وأن الاقتصاد غير قادر على استيعابهم. فالرقم الذي يبدو إيجابياً داخل الجداول الإحصائية يتحول، في الواقع الاجتماعي، إلى رقم غير كافٍ لإيقاف نزيف البطالة أو استعادة ثقة الشباب في المستقبل.

ولا يقف التناقض عند حدود التشغيل، بل يمتد إلى توزيع الثروة نفسها. فبنك المغرب يعترف، بصورة غير مسبوقة، بأن الفوارق الاجتماعية ما تزال واسعة، وأن الخمس الأكثر ثراءً ينفق أكثر من سبعة أضعاف ما ينفقه الخمس الأقل دخلاً. وهنا يتجاوز النقاش الاقتصاد إلى السياسة العمومية وفلسفة الدولة الاجتماعية. لأن التنمية التي ترفع الناتج الداخلي دون أن تقلص الفوارق، قد تنتج اقتصاداً أكبر، لكنها لا تنتج مجتمعاً أكثر تماسكاً.

ومن هنا تكتسب ملاحظات البنك الدولي بشأن التحول الرقمي أهمية خاصة. فالتقرير يعتبر أن المستقبل الحقيقي للاقتصاد المغربي لن يصنعه الإسمنت وحده، بل المعرفة والتكنولوجيا والإنتاجية. فعندما لا تستخدم سوى أقل من خمس المقاولات المغربية التقنيات الرقمية المتقدمة، فإن ذلك يعني أن جزءاً كبيراً من الاقتصاد ما يزال يعمل بأدوات الأمس داخل عالم يتغير بسرعة هائلة.

ويذهب التقرير إلى أن المقاولات التي تعتمد الرقمنة تحقق إنتاجية أعلى تصل إلى 70 في المائة، وتخلق فرص شغل أكثر، وتؤدي أجوراً أفضل. غير أن هذا التشخيص يكشف، في الوقت نفسه، حجم الهوة الرقمية داخل الاقتصاد الوطني، ويطرح سؤالاً أكبر: كيف يمكن الحديث عن اقتصاد تنافسي بينما آلاف المقاولات الصغيرة والمتوسطة لا تزال بعيدة عن الثورة الرقمية؟

غير أن أخطر ما يكشفه الجمع بين التقريرين ليس الوضع الاقتصادي الحالي، وإنما مستقبل هذا النمو. فالبنك الدولي نفسه يتوقع تباطؤ النمو خلال 2026، ويحذر من استمرار هشاشة الاقتصاد أمام الجفاف، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات التجارة العالمية، والتوترات الجيوسياسية. وهي عوامل تؤكد أن النمو الحالي، رغم قوته، ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على ظروف خارجية ومواسم فلاحية أكثر مما يعتمد على تحول هيكلي عميق في بنية الاقتصاد.

وهذا ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم ليس تحقيق نقطة إضافية في معدل النمو، وإنما تغيير نوعية النمو نفسه. فالنمو الذي تقوده الدولة وحدها، عبر الإنفاق العمومي والاستثمارات الكبرى، يظل محدود القدرة على خلق ملايين فرص الشغل. أما النمو المستدام، فهو ذلك الذي تقوده المقاولة الخاصة المنتجة، والصناعة، والابتكار، والاقتصاد الرقمي، والاستثمار في الرأسمال البشري.

ومن هنا تكتسب الرسالة الضمنية للجواهري ثقلاً استراتيجياً. فهو لا ينفي أهمية ما تحقق، ولا يشكك في قيمة المشاريع الكبرى، لكنه يوجه تنبيهاً مؤسساتياً بالغ الدلالة: الاقتصاد المغربي أصبح ينتج الثروة بوتيرة أفضل، لكنه لم ينجح بعد في تحويل تلك الثروة إلى إحساس جماعي بالتحسن.

وهذا هو جوهر الأزمة. لأن الثقة في الاقتصاد لا تُبنى فقط على تقارير المؤسسات الدولية ولا على نسب النمو، بل على التجربة اليومية للمواطن. فإذا كانت الأسرة لا تشعر بتحسن دخلها، وإذا كان الخريج لا يجد فرصة عمل، وإذا كانت الطبقة الوسطى تواصل فقدان قدرتها الشرائية، فإن أفضل المؤشرات الاقتصادية ستظل عاجزة عن إقناع المجتمع بأن التنمية وصلت إليه.

لذلك، فإن قراءة تقرير البنك الدولي في ضوء تقرير بنك المغرب تقود إلى نتيجة مختلفة تماماً عن القراءة السطحية للأرقام. فالمغرب لم يعد يواجه تحدي تحقيق النمو فقط، بل يواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في إعادة بناء العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع. فنجاح أي نموذج تنموي لا يقاس بما يضيفه إلى الناتج الداخلي الخام، بل بما يضيفه إلى كرامة الإنسان، واستقرار الأسرة، وثقة الشباب، واتساع الطبقة الوسطى.

وهنا تصبح الرسالة التي تخرج من التقاطُع بين المؤسستين واضحة: الاقتصاد المغربي لا يعاني من أزمة إنتاج للثروة، بل من أزمة توزيع لأثرها. وإذا لم يتحول النمو إلى فرص عمل منتجة، وعدالة مجالية، وحماية اجتماعية فعالة، وارتفاع حقيقي في الدخل، فإن الأرقام ستبقى تحقق نجاحاتها داخل التقارير، بينما سيبقى المواطن يبحث عن هذا النجاح في تفاصيل حياته اليومية دون أن يجده. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب في المرحلة المقبلة: ليس كيف ينمو الاقتصاد، بل كيف يشعر المغاربة بأن هذا النمو أصبح جزءاً من حياتهم، لا مجرد رقم جديد يُضاف إلى جداول الإحصاء.