حين يتحول ثمن الأضحية إلى مرآة لاختلال الدولة… تقرير حقوقي يفكك أزمة الماشية بين الجفاف، تضارب الأرقام، وريوع الاستيراد

0
109

قد ترتفع الأسعار بفعل الجفاف، لكن فقدان الثقة لا تصنعه السماء، بل تصنعه الأرض. وحين يختلف المسؤولون حول حجم القطيع الوطني، وتبقى أسعار الأضاحي عصية على كل التدخلات الحكومية، بينما لا يلمس المستهلك أثرا للدعم العمومي، فإن القضية تتجاوز حدود موسم عيد الأضحى لتصبح اختبارا لقدرة الدولة على إدارة سوق استراتيجي يمس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في آن واحد. ومن هذا المنطلق يقرأ التقرير الصادر عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان أزمة أضاحي سنة 2026، باعتبارها نتيجة لاختلالات متراكمة في الحكامة وآليات الضبط أكثر مما هي انعكاس مباشر لتقلبات المناخ.

قراءة التقرير تقود إلى استنتاج جوهري مفاده أن الجفاف، على قسوته، لا يكفي وحده لتفسير ما حدث. فالأسواق اعتادت التكيف مع سنوات الشح ووفرة الأمطار، غير أن ما يثير الانتباه هذه المرة هو اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. فكلما تعددت الإجراءات المعلنة، بقيت الأسعار على حالها، وكأن السوق يتحرك بمنطق مستقل عن أدوات الدولة، الأمر الذي يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: أين تنتهي حدود تأثير العوامل الطبيعية، وأين تبدأ مسؤولية السياسات العمومية؟

وتزداد هذه الإشكالية وضوحا عندما يستحضر التقرير القرار الملكي القاضي بعدم إقامة شعيرة أضحية عيد الأضحى سنة 2025. فالقرار، في سياقه، لم يكن مجرد استجابة لظرف استثنائي، بل منح مختلف المتدخلين فرصة زمنية لإعادة ترتيب السوق، وحماية القطيع الوطني، واستعادة التوازن بين العرض والطلب. لذلك فإن تقييم موسم 2026 لا ينفصل عن ذلك القرار، لأن الرهان لم يكن تأجيل الأزمة لسنة واحدة، وإنما تحويل تلك السنة إلى محطة للإصلاح. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تحقق فعليا خلال تلك المهلة؟

أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير ليس الحديث عن ارتفاع الأسعار، وإنما الإشارة إلى تضارب الأرقام المتعلقة بحجم القطيع الوطني. فالاختلاف بين المعطيات لا يربك الإحصاء فقط، بل يربك السياسات التي تبنى عليه. وعندما تصبح الأرقام نفسها محل نقاش، يفقد التخطيط أحد أهم مرتكزاته، وتصبح السوق أكثر قابلية للمضاربة والتأويل، بينما تتراجع ثقة الرأي العام في دقة المعلومة الرسمية.

هذه الثغرة الإحصائية تكشف أن الأزمة لا تتعلق بندرة الماشية وحدها، بل أيضا بندرة المعلومة الموثوقة. وفي الاقتصاد، لا تقل المعلومة أهمية عن السلعة نفسها، لأن القرارات الحكومية، واستثمارات المربين، وحتى سلوك المستهلك، كلها تتحدد انطلاقا من بيانات يفترض أن تكون دقيقة ومتجانسة.

ويفتح التقرير ملفا آخر لا يقل حساسية، يتعلق ببنية سوق الماشية نفسها. فالمشكل، وفق القراءة الحقوقية، لا يبدأ عند المربي ولا ينتهي عند المستهلك، بل يتمدد داخل شبكة طويلة من الوسطاء الذين يضيف كل واحد منهم هامشا جديدا على السعر النهائي. وهكذا يخسر الكساب الصغير جزءا من عائد إنتاجه، بينما يدفع المواطن ثمنا لا يعكس القيمة الأصلية للأضحية، فيتحول الخلل من اختلال تجاري إلى خلل اجتماعي يمس العدالة الاقتصادية.

ومن هذا المنظور، يكتسب تقييم سياسة استيراد الماشية دلالة خاصة. فقد سخرت الدولة دعما مباشرا وإعفاءات ضريبية وجمركية أملا في تخفيف الضغط على الأسعار، غير أن التقرير يثير سؤال الأثر، لا سؤال الإنفاق. فنجاح أي دعم لا يقاس بحجم الأموال التي رصدت له، وإنما بقدرته على الوصول إلى المستفيد النهائي. وإذا بقي المستهلك يؤدي الثمن نفسه، فإن الحلقة التي انفصلت عن أهداف السياسة العمومية تستحق المراجعة قبل أي ضخ جديد للأموال.

ولا يكتفي التقرير بتشخيص الاختلالات الاقتصادية، بل يوجه الأنظار إلى محدودية الرقابة على آليات تكوين الأسعار. فسلامة المنتوج تظل عنصرا أساسيا، لكنها لا تكفي وحدها لضمان سوق عادلة، لأن المنافسة السليمة تقتضي أيضا مراقبة الاحتكار، والتصدي للمضاربات، ومنع كل الممارسات التي تحول السوق إلى فضاء تتحكم فيه القوة التفاوضية أكثر مما تحكمه قواعد المنافسة.

وتتسع دائرة المسؤولية، في قراءة التقرير، لتشمل مختلف المؤسسات المتدخلة في تدبير القطاع، مع دعوة صريحة إلى تعزيز أدوار مجلس المنافسة، وتوسيع صلاحيات جمعيات حماية المستهلك والهيئات المدنية، حتى تتحول الرقابة إلى منظومة تشاركية لا إلى تدخل موسمي يرتبط فقط بفترة عيد الأضحى.

في النهاية، لا يقدم التقرير أزمة الأضاحي باعتبارها أزمة خروف ارتفع ثمنه، بل باعتبارها مرآة تعكس كيفية اشتغال السوق، ومستوى نجاعة المؤسسات، وحدود السياسات العمومية. لذلك فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في خفض الأسعار خلال موسم واحد، وإنما في بناء منظومة تجعل الثقة، قبل الأضحية، هي أول ما يعود إلى السوق.