الحركة الشعبية: خطاب العرش يؤسس لمرحلة الدولة المستمرة… والتنافس الحقيقي يبدأ من جودة التنزيل لا من ادعاء الإنجاز

0
111

تابعت الأمانة العامة لحزب الحركة الشعبية، بكل اعتزاز وإجلال، الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى الأمة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، باعتباره خطاب مرحلة بامتياز، وخريطة طريق استراتيجية أعادت التأكيد على الثوابت الكبرى للدولة المغربية، ورسخت من جديد فلسفة الاستمرارية التي تجعل من المشروع الوطني مسارا تراكميا لا تحده الحكومات ولا تغيره الظرفيات.

ويرى الحزب أن الخطاب الملكي لم يكن مناسبة لتقييم حصيلة ظرفية أو استعراض مؤشرات اقتصادية فقط، وإنما شكل تجديدا للعقد السياسي والتننموي الذي يقود المملكة منذ أكثر من ربع قرن، والقائم على استمرارية الدولة، ووحدة القرار الاستراتيجي، وربط التنمية بالسيادة، وربط الإصلاح بالاستقرار، وربط المستقبل بالثقة.

لقد أكد جلالة الملك مرة أخرى أن قوة المغرب لم تكن يوما رهينة بالتقلبات السياسية أو بتعاقب الحكومات، وإنما استمدت مشروعيتها من رؤية ملكية بعيدة المدى، جعلت من التخطيط الاستراتيجي أساسا لتدبير التحولات، ومن المؤسسة الملكية الضامن لاستمرارية المشاريع الكبرى، ومن الاستقرار شرطا للإصلاح والتنمية.

وفي هذا الإطار، يسجل حزب الحركة الشعبية باهتمام بالغ ما حمله الخطاب الملكي من تأكيد على التحولات العميقة التي تعرفها المملكة في مجالات الصناعة، والاستثمار، والسيادة الطاقية، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدفاعية، والسيادة الغذائية والدوائية، وهي اختيارات لم تأت استجابة لرهانات ظرفية، وإنما تعكس رؤية استباقية جعلت المغرب اليوم فاعلا إقليميا ودوليا يحظى بالمصداقية والاحترام.

غير أن الحزب يعتبر أن المرحلة الجديدة التي يرسمها الخطاب الملكي تقتضي الانتقال من منطق تسجيل المؤشرات الكلية إلى منطق قياس الأثر الحقيقي لهذه التحولات على حياة المواطن.

فالتنمية، كما يفهمها حزب الحركة الشعبية، لا تكتمل إلا عندما تتحول نسب النمو إلى فرص شغل، والاستثمارات إلى تحسين للدخل، والمشاريع الكبرى إلى تعليم أفضل، وصحة أكثر جودة، وسكن كريم، وعدالة اجتماعية ومجالية يشعر بها المواطن في مختلف جهات المملكة.

ومن هذا المنطلق، يقرأ الحزب التأكيد الملكي على التنمية الترابية باعتباره دعوة واضحة إلى طي صفحة المغرب ذي السرعتين، وإرساء نموذج تنموي يجعل المجال القروي، والمناطق الجبلية، والواحات، والمجالات الحدودية شريكا كاملا في صناعة المستقبل، وليس مجرد فضاءات تنتظر وصول التنمية إليها.

وهي القناعة التي ظلت الحركة الشعبية تدافع عنها منذ تأسيسها، باعتبار العدالة المجالية ليست مجرد سياسة عمومية، وإنما فلسفة دولة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع المغاربة أينما كانوا.

كما يعتبر الحزب أن الدعوة الملكية إلى تعبئة الاستثمار الوطني، وتقوية المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع الابتكار، والتصنيع، تمثل إعلان مرحلة اقتصادية جديدة، يكون فيها الرهان الأساسي هو تحرير المبادرة الوطنية، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وخلق اقتصاد قادر على توفير مناصب شغل مستدامة، وتحقيق سيادة اقتصادية حقيقية.

ويقف حزب الحركة الشعبية عند إحدى الرسائل السياسية العميقة التي حملها الخطاب الملكي، والمتمثلة في أن المكتسبات الوطنية ليست حصيلة ولاية حكومية أو أغلبية برلمانية، وإنما ثمرة مشروع دولة ممتد في الزمن، تشرف عليه المؤسسة الملكية، وتضمن استمراريته عبر تعاقب الحكومات.

وهي رسالة تؤسس لتحول مهم في النقاش العمومي، قوامه أن التنافس السياسي لم يعد ينبغي أن يكون حول ادعاء ملكية الإنجازات، وإنما حول جودة التنزيل، وكفاءة التدبير، والقدرة على تحويل الرؤية الملكية إلى سياسات عمومية تحقق الأثر الملموس في حياة المواطنين.

كما يسجل الحزب باهتمام بالغ ما ورد في الخطاب الملكي بشأن الاستحقاقات التشريعية المقبلة، باعتبارها محطة لتجديد النخب، وتعزيز الثقة، وفتح مرحلة جديدة من الإصلاح المؤسساتي والسياسي.

ويرى الحزب أن هذا التوجيه الملكي يحمل جميع الفاعلين السياسيين مسؤولية الارتقاء بالنقاش العمومي، والقطع مع الشعبوية، وتقديم برامج قابلة للتنفيذ، تجعل من السياسة أداة للإنتاج لا للاستهلاك، ومن الانتخابات مناسبة لتجديد الثقة لا لتجديد الخطاب فقط.

وانطلاقا من هذه المرجعية، يجدد حزب الحركة الشعبية التزامه الكامل بمواصلة أداء أدواره الدستورية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن المرحلة المقبلة تستدعي تعاقدا وطنيا جديدا، يقوم على العدالة المجالية، والدولة الاجتماعية المنتجة، والسيادة الاقتصادية، وجودة الرأسمال البشري، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها مرتكزات أساسية لبناء مغرب المستقبل في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.

وفي ختام هذا البلاغ، يتشرف حزب الحركة الشعبية بأن يرفع إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، أصدق عبارات الولاء والإخلاص، وأسمى آيات التهاني بمناسبة عيد العرش المجيد، داعيا الله عز وجل أن يحفظ جلالته، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، وأن يقر عينه بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، ويشد أزره بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، ويحفظ سائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، ويديم على وطننا العزيز نعمة الأمن والاستقرار، والعزة، والتقدم، والازدهار.