السؤال الذي طرحته «مسائية» في بداية النقاش يبدو للوهلة الأولى متعلقاً بسبتة والانتخابات: هل ستسقط أحداث الهروب الجماعي من حسابات الناخبين؟ لكن الجملة التي أضافها المحاور تكشف طبقة أخرى من السؤال: «وبأي شكل يصب ما جرى في مصلحة مترشح التحق، بلغة كرة القدم، في الوقت بدل الضائع بمعترك الانتخابات؟». المقصود هنا فوزي لقجع، الذي انتقل رسمياً في يوليوز إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، قبل نحو شهرين من الانتخابات، وهو في الوقت نفسه وزير منتدب مكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
لكن اختزال النقاش في لقجع سيكون خطأً؛ لأن السؤال الحقيقي أوسع بكثير. ما تكشفه سبتة هو أن الانتخابات تدخل هذه المرة وهي مطالبة بأن تجيب عن شيء سبقها: ماذا فعلت النخب التي كانت في موقع المسؤولية، وماذا تحقق من الوعود التي قدمتها، وما الذي لم يتحقق، ومن يتحمل مسؤوليته؟ هنا يعود الفصل الأول من دستور 2011 إلى قلب النقاش، حين يجعل من «ربط المسؤولية بالمحاسبة» أحد أسس النظام الدستوري للمملكة.
من هذه الزاوية، لا يكفي أن تقول الأحزاب إن الانتخابات موعد دستوري وإن المواطن يملك حق الاختيار. صحيح أن الانتخابات آلية للمحاسبة، لكن المحاسبة تفقد معناها إذا تحولت إلى طقس انتخابي يبدأ وينتهي بالتصويت، من دون أن تسبقَه مواجهة سياسية هادئة مع الحصيلة. الحكومة التي جاءت إلى السلطة سنة 2021 لم تأتِ بخطاب غامض؛ قدمت وعوداً وبرامج وأهدافاً، وطلبت على أساسها ثقة الناخبين. وبعد خمس سنوات، السؤال الطبيعي ليس فقط ماذا أنجزت، وإنما ماذا وعدت به ولم تنجزه، ولماذا.
وهنا تصبح أحداث سبتة أكثر من واقعة أمنية أو إنسانية منفصلة عن السياسة. آلاف الشباب الذين اختاروا المخاطرة بحياتهم بحثاً عن منفذ آخر لا يمكن اختزال دوافعهم في سبب واحد، لكن المشهد نفسه يفرض على الدولة والأحزاب سؤالاً عن الثقة والأفق الاجتماعي والاقتصادي. وحتى مع اختلاف الأرقام المتداولة حول الضحايا، فإن المجلس الوطني لحقوق الإنسان تعامل مع الواقعة باعتبارها مأساة تستوجب التوثيق والتحقيق، وتحدث عن 14 وفاة في المعطيات التي عرضها، مقابل أرقام أخرى تداولتها جهات إسبانية.
لهذا بدت مداخلة مصطفى تاج مهمة في جانب منها: فقد رفض تحويل الانتخابات إلى محكمة سريعة، ودافع عن حق المواطن في استعمال ورقة التصويت للمحاسبة. لكنه، في المقابل، أقر بأن حزب الاستقلال، باعتباره جزءاً من الأغلبية، يتحمل نصيباً من المسؤولية، وإن وضعها ضمن مسؤولية جماعية تشمل الدولة والمؤسسات والمجتمع والأسرة والمجتمع المدني. وهنا تحديداً يجب ألا تضيع المسألة: المسؤولية قد تكون جماعية في أسباب الأزمة، لكنها لا تكون مجهولة في توزيع الاختصاصات. الحكومة مسؤولة عن السياسات التي تدخل في نطاقها، والوزير مسؤول عن القطاع الذي يدبره، والحزب المشارك في الحكم مسؤول سياسياً عن اختيارات شارك فيها.
وهذا ما يجعل حديث عبد الناصر أولاد عبد الله عن الشباب مهماً. فقد نقل النقاش من سؤال «هل سيتذكر الناخب سبتة؟» إلى سؤال أعمق: كيف نطلب من شاب أن يثق في صندوق الاقتراع إذا كان يشعر أن صوته لا يُسمع إلا عندما تحتاجه الأحزاب؟ وحين ربط ذلك بالبطالة والفساد والوعود التي لم تتحقق، كان في الواقع يعيد الانتخابات إلى وظيفتها الأصلية: تحويل تجربة المواطن مع السلطة إلى حكم سياسي عليها.
أما نبيلة منيب فدفعت النقاش إلى أقصى مداه عندما شككت في قدرة المشهد الحزبي الحالي على إنتاج المحاسبة، وربطت أزمة الثقة بالفساد وضعف المشاركة السياسية وانسداد الآفاق. قد يختلف المرء معها في بعض استنتاجاتها أو أرقامها، لكن سؤالها المركزي يبقى قائماً: هل ما زالت الأحزاب قادرة على تمثيل المجتمع، أم أن جزءاً منها تحول إلى شبكات انتخابية تعتمد على المال والنفوذ والخدمات بدل التنافس الحقيقي حول البرامج؟
في هذا السياق فقط يصبح حضور لقجع في النقاش مفهوماً. فهو ليس شخصية سياسية مجهولة دخلت من خارج الدولة؛ إنه وزير مكلف بالميزانية منذ سنوات، وفي الوقت نفسه يقود الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وقد انتقل حديثاً إلى العمل الحزبي. لذلك فإن حقه في الترشح لا يحتاج إلى تبرير، ولا ينبغي أن يكون محل تشكيك. لكن الترشح شيء، والمحاسبة شيء آخر. من حقه أن يطلب ثقة الناخب، ومن حق الناخب أن يسأله عن كل مسؤولية تولّاها، وعن السياسات التي شارك في تدبيرها، وعن المال العام الذي كان ضمن دائرة اختصاصه، كما يسأل أي مسؤول آخر.
وهنا تدخل كرة القدم إلى النقاش، لا باعتبارها اتهاماً للقجع، وإنما باعتبارها ملفاً عاماً يستحق الحساب. الدولة أنفقت واستثمرت أموالاً كبيرة في البنية الرياضية والاستعدادات للمنافسات الكبرى، والحكومة نفسها تتحدث عن تأهيل ملاعب وبناء منشآت استعداداً لكأس إفريقيا 2025 ومونديال 2030، بينما بلغت ميزانية البطولة الوطنية الاحترافية وحدها 965 مليون درهم سنة 2026. والسؤال الديمقراطي هنا بسيط: ما الكلفة الإجمالية لهذه السياسة، ما العائد الاقتصادي والاجتماعي منها، وما الذي تحقق فعلاً للشباب والرياضة الوطنية مقابل الأموال التي رُصدت؟ لا يجوز تحويل هذه الأسئلة إلى اتهام، كما لا يجوز منعها باسم النجاح الرياضي.
فالنجاح الرياضي له قيمة وطنية حقيقية، والنتائج التي حققتها كرة القدم المغربية لا تحتاج إلى إنكار. لكن دولة القانون لا تقيس السياسات العامة بالنتائج الرمزية وحدها. المال العام يحتاج إلى شفافية، والاختيارات العمومية تحتاج إلى تقييم، والمسؤول الذي يطلب لاحقاً تفويضاً انتخابياً جديداً ينبغي أن يكون مستعداً للإجابة عن المرحلة التي كان جزءاً منها. هذا هو معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة: لا نعاقب الشخص لأنه نجح أو فشل سياسياً، بل نسأله عما فعل في الموقع الذي أوكل إليه، ثم نترك للناخب الحكم.
من هنا أيضاً يجب قراءة استعارة «الوقت بدل الضائع». لقجع دخل المعترك الحزبي متأخراً، لكن المحاسبة لا تبدأ يوم دخوله الحزب. فإذا كان جديداً على التنظيم الحزبي، فهو ليس جديداً على المسؤولية العمومية؛ وبالتالي لا يمكن أن تمنحه صفة الوافد الجديد حصانة سياسية من حصيلة السنوات السابقة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحميله وحده فاتورة مرحلة شاركت فيها حكومة ومؤسسات وأحزاب متعددة. العدل السياسي يقتضي أن يدفع كل طرف ثمن حصته من المسؤولية، لا أن يدفع شخص واحد فاتورة الجميع ولا أن يفلت الجميع منها.
وهنا تعود سبتة إلى مكانها الصحيح في المقال: ليست ورقة انتخابية ضد حزب، ولا منصة لتلميع مرشح، بل إنذاراً سياسياً كشف حجم المسافة بين جزء من الشباب والمؤسسات. وإذا أرادت الأحزاب أن تقنع المواطن بأن الانتخابات هي فعلاً لحظة للمحاسبة، فعليها أن تبدأ من الأسئلة التي لا تحب الحملات الانتخابية سماعها: ماذا وعدتم؟ ماذا أنجزتم؟ أين صرف المال؟ ماذا فشل؟ من يتحمل المسؤولية؟ وما الذي ستفعلونه بشكل مختلف؟
عندها فقط يصبح التصويت أكثر من مهرجان انتخابي. يصبح ترجمة عملية للفصل الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة. فالناخب لا يُطلب منه أن يمنح شهادة براءة لأحد، ولا أن يعاقب أحداً مسبقاً؛ المطلوب أن يرى الحصيلة، يسمع التفسير، ثم يقرر. أما من جاء إلى الملعب السياسي في «الوقت بدل الضائع»، فله كامل الحق في طلب الكرة من الناخب، لكن عليه، مثل غيره، أن يجيب أولاً عن الدقائق التي لعبها قبل صافرة النهاية.
وهنا ربما كان أهم ما في ذلك اللقاء أنه، من دون أن يقصد، أعاد السؤال كله إلى مكانه الطبيعي: العلاج ليس في أن نتغنى بالديمقراطية، وإنما في أن نُفعّل الدستور الذي اختار الديمقراطية والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة منذ 2011.