بعد اجتماع دام حتى الفجر.. المحامون يواصلون الإضراب والمحاكم تُشلّ.. المواطن خارج المعركة وداخل كلفتها

0
90

في بعض الأزمات المهنية، يكون دخول القانون حيز التنفيذ هو لحظة النهاية. في أزمة المحاماة بالمغرب حدث العكس تقريباً: انتهى المسار التشريعي، لكن النزاع واصل طريقه إلى المحاكم، ومعه واصل المواطن دفع ثمن خلاف لم يعد يعرف أين تبدأ حدوده وأين تنتهي.

بعد اجتماع امتد من العاشرة والنصف صباحاً إلى الثامنة مساء الخميس، ثم استأنفه مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى حدود الساعات الأولى من الجمعة، قررت الجمعية مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية ومقاطعة المهام القضائية. الاجتماع لم يكن مجرد محطة تنظيمية عادية؛ جاء بعد أيام من دخول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، وكأن صدور النص في الجريدة الرسمية لم يكن كافياً لإغلاق الملف، بل نقل الأزمة إلى طور جديد.

القانون نشر رسمياً في العدد 7536 من الجريدة الرسمية يوم 20 غشت، بعد صدور الظهير الشريف بتنفيذه في 18 غشت. وبذلك انتهى المسار التشريعي للنص وأصبح واجب التطبيق.

لكن ما انتهى على الورق لم ينتهِ في الممارسة.

منذ 15 يونيو، تخوض الهيئات المهنية للمحامين أشكالاً احتجاجية شملت التوقف عن تقديم الخدمات ومقاطعة عدد من المهام القضائية. وكان الرهان، طوال هذه الفترة، على أن يبقى الخلاف قابلاً للتسوية قبل الوصول إلى لحظة يصبح فيها القانون نافذاً والإضراب مستمراً في الوقت نفسه. تلك اللحظة جاءت بالفعل.

الأكثر دلالة أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي نفسه ترك، بعد نشر القانون، باب المراجعة مفتوحاً. ففي ظهوره على القناة الثانية يوم 21 غشت، قال إن القانون يمكن أن يخضع للمراجعة مستقبلاً من طرف الحكومة المقبلة، كما تحدث عن إمكان اللجوء إلى آليات الرقابة الدستورية، في الوقت الذي وصف فيه علاقته بالمحامين بأنها ليست «طلاقاً بائناً» وإنما «طلاق رجعي».

هذه العبارة السياسية الطريفة تخفي وراءها واقعاً أكثر جدية: الوزارة تقول عملياً إن دخول القانون حيز التنفيذ لا يعني أنه غير قابل للمراجعة، والمحامون يقولون بقرار استمرار الإضراب إن نشره لا يعني أن اعتراضاتهم انتهت.

هنا تحديداً تبدو الأزمة عالقة بين منطقين مختلفين.

الدولة تتعامل مع القانون باعتباره نصاً استكمل مساره وأصبح نافذاً. والهيئات المهنية تتعامل معه باعتباره نصاً ما تزال حوله خلافات جوهرية لم تجد طريقها إلى التسوية. وبين المنطقين توجد المحاكم، حيث لا يتعلق الأمر هذه المرة بنقاش مهني أو سياسي مجرد، وإنما بمواعيد وجلسات وملفات وحقوق لأشخاص ينتظرون أن تتحرك قضاياهم.

وهذا هو الجزء الذي يختفي عادة خلف أرقام الإضراب وبيانات الهيئات والوزارة: المتقاضي ليس طرفاً في النزاع، لكنه يتحمل كلفته.

ليس المطلوب من المواطن أن يحسم الخلاف حول استقلال مهنة المحاماة، ولا أن يقرر ما إذا كانت مقتضيات القانون الجديد عادلة أو مجحفة، ولا أن يفهم تعقيدات المسطرة التشريعية والرقابة الدستورية حتى يحصل على حقه في محاكمة تسير في وقتها الطبيعي.

ومع ذلك، يجد نفسه في نهاية السلسلة أمام نتيجة مباشرة: ملف يتأخر، جلسة لا تنعقد في ظروفها المعتادة، أو مسطرة تتعطل بسبب نزاع لم يكن هو من صنعه.

وهنا تصبح عبارة «مصالح المواطنين» أكبر من مجرد فقرة في بلاغ رسمي.

القانون دخل حيز التنفيذ.. لكن دستوريته لم تُفحص في الجوهر

ثمة تفصيل قانوني مهم يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن المرحلة السابقة.

في 10 غشت، صرحت المحكمة الدستورية بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بالقانون 66.23. ووفق القراءة التي قدمها الأستاذ رشيد لزرق، فإن المحكمة لم تدخل أصلاً في فحص مضمون القانون، ولم تقل إنه مطابق للدستور، كما لم تسقطه. سبب التعذر ارتبط بمسطرة الإحالة وعدم إرفاقها بالنسخة المطابقة لأصل النص النهائي الذي وافق عليه البرلمان.

بمعنى آخر، لم يحصل القانون على ما يمكن وصفه بشهادة دستورية شاملة لمقتضياته، لكنه في الوقت نفسه لم يسقط. وبعد ذلك صدر ونشر وأصبح نافذاً.

وهذا التفصيل مهم لأن النقاش لم يعد محصوراً في سؤال: هل سيمر القانون أم لا؟

السؤال أصبح: ماذا سيحدث عندما يبدأ تطبيقه فعلياً؟

هنا يمكن أن تنتقل المواجهة من الشارع المهني إلى المؤسسات القانونية نفسها. فالمقتضيات التي ستكشف الممارسة أنها تثير إشكالات يمكن أن تصبح موضوع مقترحات تعديل تشريعي، كما يمكن أن تكون القرارات والمراسيم التطبيقية محل طعون أمام القضاء الإداري متى تجاوزت القانون أو مست بحقوق مشروعة. أما الدفع بعدم الدستورية، فيظل مساراً ممكناً عندما تتوفر شروطه القانونية في نزاع واقعي.

أي أن المعركة لم تعد بالضرورة معركة «إسقاط قانون»؛ يمكن أن تصبح معركة حول كيفية تطبيقه، وتفسيره، وتعديله.

وهذا يفسر جزئياً لماذا لم يكن نشر القانون كافياً لإنهاء الأزمة.

من يملك الخطوة التالية؟

المشكلة الآن أن كلاً من الطرفين يملك جزءاً من الأوراق، ولا يملك وحده مفتاح النهاية.

جمعية هيئات المحامين تستطيع مواصلة الاحتجاج، لكنها لا تستطيع تجاهل الكلفة التي يتكبدها المتقاضون إلى ما لا نهاية من دون أن تتحول القضية تدريجياً من نزاع حول استقلال المهنة وحقوق الدفاع إلى نقاش حول حدود الاحتجاج المهني نفسه.

والحكومة تستطيع القول إن القانون استكمل مساره الدستوري والتشريعي وأصبح نافذاً، لكنها لا تستطيع تجاهل حقيقة أن الوزير المسؤول عن القطاع نفسه ترك الباب مفتوحاً أمام مراجعة النص، بما يعني أن بعض عناصر الخلاف قابلة للنقاش حتى من داخل السلطة التنفيذية.

أما البرلمان والحكومة المقبلة، فسيجدان أمامهما ملفاً جاهزاً للعودة في أي لحظة، خصوصاً أن الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر ستعيد تشكيل السلطة التنفيذية والبرلمان، وبالتالي قد تفتح مرحلة سياسية جديدة للتعامل مع النص.

وهنا قد يكون المستقبل أقل ارتباطاً بمن سيربح معركة الإضراب الحالية، وأكثر ارتباطاً بما ستفرزه تجربة التطبيق.

إذا كشفت الأشهر المقبلة أن بعض مقتضيات القانون تخلق فعلاً مشاكل في ممارسة المهنة أو في حقوق الدفاع أو في سير العدالة، فستصبح المطالبة بتعديلها أقوى من أي احتجاج. وإذا لم تظهر تلك الاختلالات في الواقع، فسيصبح استمرار المقاطعة أصعب في تبريره أمام الرأي العام.

لهذا، فإن اجتماع الخميس الذي انتهى فجر الجمعة ليس بالضرورة نهاية جولة، بل بداية اختبار جديد.

القانون أصبح نافذاً، والمحامون اختاروا ألا يعودوا إلى المحاكم بعد. وبين القرارين توجد مساحة لم تُحسم بعد: مساحة الحوار السياسي، والمراجعة التشريعية، والرقابة القضائية، والأهم مصالح المتقاضين.

وهؤلاء لا يملكون جمعية تدافع عنهم داخل قاعات الاجتماعات، ولا وزارة تتحدث باسمهم في نشرات الأخبار.

لذلك، فإن السؤال الذي سيكبر مع استمرار الأزمة ليس فقط: هل سينجح المحامون في انتزاع تعديلات على القانون؟

بل: كم يستطيع النظام القضائي أن يتحمل استمرار نزاع مهني أصبح المواطن، وليس أطرافه، يدفع كلفته اليومية؟