لم تعد مشاهد العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة مجرد خبر حدودي عابر، بل تحولت إلى حدث دولي فرض نفسه على كبريات الصحف ووكالات الأنباء العالمية، بعدما اجتمعت فيه المأساة الإنسانية، والانهيار المفاجئ للضبط الحدودي، والتجاذب السياسي داخل أوروبا، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ليصبح جزءاً من السجال الانتخابي حول الهجرة. غير أن تعدد التغطيات لم يكن مجرد اختلاف في الأسلوب، بل كشف عن تعدد في الروايات نفسها؛ فكل وسيلة إعلامية بحثت عن التفسير الذي ينسجم مع أجندتها السياسية وخطها التحريري، بينما ظل السؤال الأكثر حساسية مطروحاً: لماذا خرج هذا العدد الضخم من المغاربة أصلاً؟
هذا السؤال لم يحضر بالقوة نفسها في معظم التغطيات. فبدلاً من التوقف عند الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت عشرات الآلاف إلى المجازفة بحياتهم، انصرف جزء مهم من الإعلام الغربي إلى البحث عن تفسير قانوني أو سياسي للأزمة، وكأن قراراً قضائياً إسبانياً وحده قادر على دفع آلاف الأشخاص إلى البحر. وهنا تبدأ القراءة بين السطور، لأن طريقة تفسير الحدث لا تقل أهمية عن الحدث نفسه.
في تغطيتها، اختارت وكالة “أسوشيتد برس” مقاربة إنسانية ركزت على حجم الكارثة أكثر من خلفياتها السياسية. تحدثت عن عشرات الآلاف الذين دخلوا سبتة ثم عاد معظمهم إلى المغرب، وعن عشرات الضحايا الذين فقدوا حياتهم خلال محاولات العبور، كما نقلت شهادات لشباب مغاربة تحدثوا عن البطالة، وضعف الأجور، وانسداد الأفق، وهي روايات أعادت الأزمة إلى جذورها الاجتماعية، وقدمت المهاجر باعتباره إنساناً يبحث عن فرصة حياة، لا مجرد رقم في سجلات الهجرة.
لكن هذه القراءة الإنسانية لم تمنع وسائل إعلام أخرى من الانتقال إلى مستوى مختلف من التفسير. فقد ربطت صحيفة “واشنطن بوست” ما جرى بالسجال السياسي الإسباني، معتبرة أن موجة العبور تحولت سريعاً إلى ورقة استثمرتها المعارضة اليمينية ضد حكومة بيدرو سانشيز، قبل أن تنتقل الصور نفسها إلى الولايات المتحدة حيث استُخدمت لتغذية خطاب التشدد في ملف الهجرة. وهكذا خرجت الأزمة من إطارها المحلي لتصبح مادة في الصراع السياسي داخل الديمقراطيات الغربية.
غير أن العنصر الأكثر حضوراً في هذه الرواية كان الإشارة إلى الحكم الأخير للمحكمة العليا الإسبانية المتعلق بالإرجاع الفوري للمهاجرين. فقد دافعت الحكومة الإسبانية عن نفسها بالقول إن ما حدث لا يرتبط بسياسة التسوية التي انتهجتها، بل بسوء فهم ذلك الحكم، الذي خلق لدى بعض الراغبين في الهجرة اعتقاداً بإمكانية البقاء داخل إسبانيا إذا وصلوا سباحة إلى سبتة.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل يكفي حكم قضائي، مهما كانت طبيعته، لتفسير خروج عشرات الآلاف من الأشخاص في فترة زمنية وجيزة؟ أم أن هذا التفسير يقدم سبباً قانونياً سريعاً يسمح بتحويل النقاش بعيداً عن الأسباب البنيوية التي دفعت هذا العدد الكبير من المغاربة إلى المخاطرة بحياتهم؟
هذا التحول في زاوية النقاش لا يبدو بريئاً من الناحية السياسية. فحين تصبح المحكمة العليا هي محور التفسير، تتراجع تلقائياً الأسئلة المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية داخل المغرب، كما تتراجع مساءلة السياسات العمومية التي أفرزت هذا المستوى غير المسبوق من اليأس. وبذلك يتحول النقاش من البحث في أسباب الهجرة إلى البحث في الكيفية التي فهم بها المهاجرون قراراً قضائياً إسبانياً.
صحيفة “التايمز” البريطانية ذهبت في الاتجاه نفسه، لكنها أضافت عناصر أخرى، مثل الظروف الصيفية، وشبكات التهريب، والرسائل المتداولة عبر الهواتف المحمولة، إلى جانب الحكم القضائي، معتبرة أن هذه العوامل مجتمعة ربما ساهمت في انتشار الاعتقاد بإمكانية البقاء داخل إسبانيا. وفي الوقت نفسه أعادت الصحيفة إحياء فرضية استغلال الهجرة كورقة ضغط دبلوماسية، مستحضرة أزمة سنة 2021، من دون أن تقدم معطيات حاسمة تثبت أن السلطات المغربية كانت وراء تنظيم أو توجيه موجة العبور الحالية.
هذه الفرضية حضرت أيضاً في بعض المنابر الغربية الأخرى، لكنها بقيت في مستوى الاحتمال والاستنتاج السياسي أكثر منها في مستوى الوقائع المثبتة. وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام دولية الموقف الرسمي المغربي الذي أكد أن ما جرى وقع خارج إرادة الرباط، وأن المملكة متمسكة بالهجرة القانونية والمنظمة، وهو ما يعكس استمرار التباين بين الرواية الرسمية المغربية وبعض القراءات الغربية التي ما تزال تقرأ كل أزمة حدودية من خلال إرث التوترات الدبلوماسية السابقة.
أما صحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد اختارت زاوية أكثر وضوحاً من الناحية الأيديولوجية، إذ قدمت الأزمة باعتبارها دليلاً جديداً على فشل السياسات المتساهلة في إدارة الهجرة، وربطت بين الحكم القضائي الإسباني، وسياسة تسوية أوضاع المهاجرين، وما اعتبرته رسائل تشجع على مزيد من التدفقات البشرية، قبل أن تقارن المشهد بما يجري على الحدود الأمريكية. هنا لم يعد المهاجر فرداً له قصة وظروف، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول حماية الحدود وصعود اليمين والمحافظة على الأمن الداخلي.
هذا الاختلاف لم يظهر فقط في التحليلات، بل حتى في اختيار الكلمات. فالوكالات الإخبارية تحدثت عن “أزمة إنسانية” و”مهاجرين” و”فوضى”، بينما لجأت بعض الصحف المحافظة إلى مفردات مثل “الغزو” و”الاجتياح”. وهي مفردات لا تصف الحدث فقط، بل تعيد تشكيل صورته في ذهن القارئ، وتنقل المهاجر من خانة الإنسان الباحث عن فرصة إلى خانة التهديد الأمني والديموغرافي.
وفي المحصلة، لا تكشف هذه التغطيات اختلافاً في نقل الوقائع فحسب، بل اختلافاً في صناعة الرواية نفسها. فكل وسيلة إعلامية اختارت السبب الذي ينسجم مع رؤيتها السياسية: منها من رأى المشكلة في سياسات مدريد، ومنها من جعل الحكم القضائي مفتاح التفسير، ومنها من أعاد إحياء فرضيات الضغط الدبلوماسي، بينما بقيت الحقيقة الأكثر إزعاجاً أقل حضوراً في النقاش، وهي أن عشرات الآلاف من المغاربة لم يغادروا لأن محكمة أصدرت حكماً، بل لأن بيئة كاملة دفعتهم إلى الاعتقاد بأن المخاطرة بالبحر أقل قسوة من البقاء على اليابسة. ومن هنا يصبح الحكم القضائي عاملاً ضمن عوامل، وليس تفسيراً كافياً لأزمة بهذا الحجم، لأن القرار القانوني قد يفسر توقيت الموجة، لكنه لا يفسر وحده لماذا وجد عشرات الآلاف أنفسهم مستعدين لخوضها.