حين يتحول فقدان الشغل في المغرب من حادث اجتماعي إلى اختبار حقيقي لفشل الدولة الاجتماعية

0
42

في تحليل العرض الذي قدمه عبد الرحيم الرماح، رئيس المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية، حول “نظام التعويض عن فقدان الشغل: أية بدائل لضمان الاستفادة واستدامة آليات التمويل”، لا يتعلق الأمر بمجرد عرض تقني أو إداري، بل بقراءة مسار طويل من السياسات الاجتماعية بالمغرب، حيث يتقاطع القانوني بالاقتصادي، ويتداخل الاجتماعي بالمؤسساتي في سؤال واحد: كيف نحول الحق في التعويض إلى ممارسة فعلية ومستدامة؟

هذا الموضوع لا يمكن فهمه خارج سياقه التراكمي، إذ يكشف الرماح عن مسار تاريخي طويل بدأ مع الإرهاصات الأولى للنقاش الاجتماعي حول حماية الأجراء من مخاطر فقدان الشغل. فمنذ التصريح المشترك لفاتح غشت 1996 الذي فتح باب التفكير في العطالة التقنية، مرورًا باتفاقات 2000 و2003 و2011 التي رسخت تدريجيًا فكرة التأمين ضد فقدان الشغل، وصولًا إلى إدماج هذا الحق في مدونة الشغل، يتضح أن المغرب لم يتأخر في التنصيص القانوني، بقدر ما واجه تحديًا في الانتقال من النص إلى التنفيذ.

غير أن التجربة الفعلية منذ دخول القانون رقم 03.14 حيز التطبيق سنة 2015 تكشف عن مفارقة مركزية: وجود إطار قانوني دون قدرة كاملة على تفعيله. وهنا ينتقل التحليل من مستوى “التشريع” إلى مستوى “المنظومة”، حيث تصبح الإشكالات مرتبطة بالبنية العميقة لسوق الشغل، خصوصًا ضعف التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعدم دقة المعطيات، وصعوبة إثبات فقدان الشغل في غياب توافق واضح أو توقيع المشغل في كثير من الحالات.

وتكشف التقارير المؤسساتية، وعلى رأسها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الصادر في إطار الإحالة 32/2021، أن الإشكال لا يكمن فقط في التصميم القانوني، بل في قابلية التطبيق داخل واقع مهني يتميز بالهشاشة وتعدد أنماط التشغيل غير المهيكل، وهو ما يجعل أي نظام تعويض مرتبطًا مباشرة بمدى نضج منظومة التصريح والتغطية الاجتماعية.

من زاوية أخرى، يطرح العرض سؤال التمويل باعتباره نقطة توازن حساسة داخل هذا النظام. فاستدامة التعويض عن فقدان الشغل ليست تقنية محضة، بل هي معادلة دقيقة بين مساهمة الدولة والمقاولات والأجراء، وهي معادلة ظلت موضوع تفاوض طويل دون أن تستقر نهائيًا على صيغة نهائية، ما يعكس طبيعة التوازنات الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم هذا الورش.

لكن الأهم في هذا التحليل هو الانتقال من مستوى الإجراء إلى مستوى البنية. فالمشكل لا يتعلق فقط بتعويض مؤقت لفقدان الدخل، بل بمدى قدرة الدولة على إعادة إدماج الأجير في سوق الشغل عبر التكوين وإعادة التأهيل، وهو ما يضع الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات والتكوين المهني في قلب هذا الورش، باعتبارهما آليتين لإعادة تدوير اليد العاملة بدل تركها في دائرة التعطل.

كما أن الدعوة إلى تفعيل المجالس والمؤسسات المنصوص عليها في مدونة الشغل، من المجلس الأعلى لإنعاش التشغيل إلى مجالس المفاوضة الجماعية واللجان الجهوية، تكشف عن رؤية تعتبر أن الحل لا يمكن أن يكون مركزيا فقط، بل يجب أن يكون تشاركيا وتعدديا، يدمج الفاعلين النقابيين وأرباب العمل والمؤسسات العمومية في صياغة الحلول.

وفي العمق، يرتبط هذا النقاش برؤية أوسع جاءت بها الوثائق الدستورية وقانون الإطار 09.21 المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، الذي جعل من التعويض عن فقدان الشغل جزءًا من مسار شامل يروم توسيع التغطية الاجتماعية في أفق زمني محدد. غير أن الإشكال الحقيقي يظل في الانتقال من التخطيط إلى الفعل، ومن البرمجة إلى التنفيذ.

وهكذا، فإن ما يقدمه هذا العرض لا يقتصر على تشخيص وضع قانوني أو اجتماعي، بل يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الدولة الاجتماعية نفسها: هل يكفي وجود النصوص والمؤسسات لضمان الحماية؟ أم أن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الفاعلين، وتحديث أدوات الحكامة بما يجعل الحق في التعويض جزءًا فعليًا من دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية؟

في النهاية، يبدو أن قضية التعويض عن فقدان الشغل ليست ملفًا معزولًا، بل مرآة تعكس مدى نضج المنظومة الاجتماعية برمتها، وقدرتها على تحويل الحماية من التزام قانوني إلى واقع معاش، ومن وعد مؤسساتي إلى أمان فعلي يشعر به الأجير في لحظة فقدان الاستقرار المهني.