في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التوترات وإعادة رسم خرائط النفوذ في الخليج والشرق الأوسط، جاءت تصريحات المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش خلال مشاركته في ملتقى المؤثرين الخليجيين بدبي، لتفتح نافذة جديدة على طبيعة التحولات الجارية في الخطاب السياسي الإماراتي تجاه إيران، وعلى إعادة تقييم العلاقات الإقليمية في ضوء الحرب الأخيرة وما ترتب عنها من ارتدادات أمنية وسياسية.
قرقاش، في مداخلته، لم يكتف بوصف الاعتداءات الإيرانية باعتبارها تطوراً عابراً في مسار العلاقات المتوترة بين الجانبين، بل قدّمها باعتبارها “منعطفاً حاسماً” يعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي برمته. هذا التوصيف يعكس انتقالاً تدريجياً في الخطاب الرسمي من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي والأمني في المنطقة، حيث لم تعد التهديدات تُقرأ كحوادث منفصلة، بل كجزء من بنية صراع ممتدة ومعقدة.
وفي هذا السياق، أشار قرقاش إلى أن ما جرى لا يمكن فصله عن تراكم تاريخي طويل من التوترات بين دول الخليج وإيران، وهي علاقة ظلت لعقود محكومة بتقاطع المصالح وتعارض النفوذ في أكثر من ساحة إقليمية. غير أن الجديد في الطرح هو التأكيد على أن سياسة “الاحتواء” التي اعتمدتها بعض الدول الخليجية سابقاً لم تحقق أهدافها المرجوة، ما يفتح الباب أمام مراجعة شاملة للأدوات الدبلوماسية التقليدية التي حكمت هذه العلاقة لسنوات.
الأهمية السياسية لتصريحات قرقاش لا تتوقف عند حدود توصيف العلاقة مع إيران، بل تمتد إلى إعادة قراءة شبكة التحالفات العربية التي برزت خلال فترة التصعيد الأخير. فقد أشاد بمواقف سوريا والمغرب ومصر، معتبراً أنها شكلت دعماً سياسياً مهماً للإمارات خلال تلك المرحلة، في إشارة إلى أن العلاقات البينية العربية أصبحت أكثر ترابطاً في مواجهة التحديات الإقليمية الكبرى. ورغم عدم الخوض في تفاصيل هذه المواقف، إلا أن الإشارة إليها تحمل دلالة على إعادة تموضع التحالفات العربية وفق منطق “الأمن المشترك” أكثر من منطق المصالح الثنائية التقليدية.
هذا التوصيف ينعكس أيضاً على طبيعة العلاقات الثنائية بين الإمارات وهذه الدول، حيث تبدو أبوظبي منخرطة في مقاربة متعددة المستويات، تجمع بين البعد السياسي والأمني والاقتصادي، بما يعزز شبكة نفوذ إقليمي متداخل، يهدف إلى خلق توازنات جديدة في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.
من جهة أخرى، فإن الإشارة إلى “العدوان الإيراني المخطط له مسبقاً” كما ورد في خطاب قرقاش، تعكس تحوّلاً في اللغة السياسية الخليجية نحو مزيد من المباشرة في توصيف التهديدات، بعيداً عن الصياغات الدبلوماسية التقليدية. هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق العام الذي أعقب تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، وما تبعها من إعادة تقييم شاملة لمفاهيم الردع والأمن والدفاع.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز الإمارات كأحد أكثر الدول تأثراً بالتطورات الأخيرة، سواء على مستوى أمنها الداخلي أو على مستوى موقعها في معادلة التوازنات الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في بعض مراحل التصعيد، ما دفع إلى إعادة التفكير في منظومة الحماية والردع.
لكن البعد الأعمق في الخطاب يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليصل إلى مستوى إعادة تشكيل الوعي الاستراتيجي لدى صانع القرار الخليجي، حيث لم تعد العلاقة مع إيران تُدار فقط من زاوية التهدئة أو التصعيد، بل من زاوية إدارة طويلة الأمد لمعادلة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية بالطاقة والتجارة والممرات البحرية.
وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة تصريحات قرقاش كجزء من مسار أوسع يعيد تعريف موقع الخليج داخل النظام الإقليمي، في لحظة تتسم بعدم الاستقرار وتعدد مراكز التأثير، وتراجع فعالية الأدوات التقليدية في ضبط الإيقاع السياسي للمنطقة. وهو ما يجعل من المرحلة الحالية مرحلة انتقالية بامتياز، لا تزال ملامحها النهائية قيد التشكل.
أما على مستوى أوسع، فإن استمرار التعثر في مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، وتداخل الوساطات الإقليمية، يعمّق حالة الضبابية الاستراتيجية، ويدفع الدول الخليجية إلى تعزيز مقاربات أكثر واقعية وحذراً في إدارة علاقاتها الخارجية، في انتظار اتضاح ملامح النظام الإقليمي الجديد.
في المحصلة، تبدو تصريحات قرقاش أكثر من مجرد موقف سياسي ظرفي؛ إنها تعبير عن لحظة مراجعة شاملة داخل بنية التفكير الاستراتيجي الخليجي، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الأمن، والتحالفات مع إعادة التموضع، في مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة، لا يزال في طور التشكل ولم يصل بعد إلى استقراره النهائي.