سبتة المحتلة.. ألباريس يتحدث عن «كل سنتيمتر» و«علوّ الدولة»: ومن يحمي الأطفال والشباب من نار الشارع؟

0
106

هناك كلمات لا تمر في الخطاب السياسي عرضاً. حين يقول وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس إن بلاده ملتزمة بـ«كل سنتيمتر» من التراب الإسباني، وإن اللحظة تتطلب «الوحدة» و«المسؤولية» و«علوّ الدولة»، فهو لا يوجه رسالة عابرة إلى سكان سبتة ومليلية المحتلتين. إنه يعيد تثبيت موقف مدريد السياسي في لحظة شديدة الحساسية، بعد أسابيع من أزمة الهجرة التي لم تعد محصورة عند الحدود، بل انتقلت إلى داخل المدينة نفسها.

ألباريس قال في تسجيل نشره في 28 غشت إنه يريد طمأنة سكان سبتة ومليلية إلى أن وزارة الخارجية الإسبانية «ملتزمة بشكل راسخ بسلامة ووحدة كل سنتيمتر من التراب الإسباني»، بما في ذلك سبتة ومليلية، مضيفاً أن الحكومة ملتزمة أيضاً بـ«ازدهارهما»، و«التعايش» فيهما، و«احترام التنوع».

ثم جاءت الكلمات التي اختار أن يختم بها رسالته: «الوحدة، المسؤولية وعلوّ الدولة».

من الصعب فصل هذا الخطاب عن توقيته.

فبعد شهر تقريباً من موجة الدخول الجماعي التي شهدتها سبتة، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى مدريد مجرد حماية الحدود. آلاف المهاجرين ما زالوا داخل المدينة، والتوتر مع السكان تصاعد، ووقعت مواجهات واعتداءات وأعمال عنف، بينما تحاول الحكومة المركزية احتواء أزمة أصبحت اجتماعية وإنسانية وأمنية في الوقت نفسه.

لذلك فإن عبارة «علوّ الدولة» التي استخدمها ألباريس تستحق أن تُقرأ خارج سياق السيادة وحده.

فالدولة، إذا كانت عالية فعلاً، لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها أو إعلان تمسكها بكل شبر من أراضيها. تُقاس أيضاً بما تفعله عندما تصبح الفئات الأضعف داخل تلك الحدود عرضة للخوف أو العنف أو التحريض.

وهنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في قصة سبتة.

ليس من حق أحد أن يبرر اعتداءً على سكان المدينة أو على جنودها أو شرطتها. وليس من حق أحد أيضاً أن يحول أزمة الهجرة إلى مبرر للفوضى أو العنف. لكن المبدأ نفسه يجب أن يكون واضحاً عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين.

القانون لا يتغير بحسب هوية الشخص الذي يقف أمامه.

وهذا مهم خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والقاصرين والشباب المغاربة الذين وجدوا أنفسهم داخل أزمة لم يصنعوها وحدهم، وبعضهم دخل المدينة وحيداً، من دون أسرة أو حماية اجتماعية كافية.

الوقائع الأخيرة تجعل المسألة أكثر ثقلاً.

في 27 غشت، أعلنت النيابة العامة الإسبانية تسجيل 16 اعتداءً جنسياً في سبتة، أسفرت عن 17 ضحية، 16 منهن نساء، وكانت الغالبية من القاصرات، وذلك خلال الأزمة التي أعقبت الدخول الجماعي في نهاية يوليوز. كما أعلنت النيابة تعزيز حضورها في المدينة بثلاثة مدعين عامين إضافيين.

وقبل ذلك، كانت السلطات القضائية قد فتحت تحقيقات في اعتداءات جنسية يُشتبه في ارتكاب بعضها من مهاجرين مغاربة دخلوا المدينة خلال موجة 30 يوليوز، فيما أودع اثنان من المشتبه فيهم السجن الاحتياطي في بعض القضايا.

هذه الوقائع يجب ألا تُخفى، كما يجب ألا تُستخدم لتعميم الجريمة على آلاف الأشخاص الذين دخلوا المدينة.

فالاعتداء جريمة فردية، والمسؤولية فيها فردية.

وهذا تحديداً هو دور الدولة التي يتحدث عنها ألباريس: أن تميز بين المهاجر والمجرم، وبين الضحية والمتهم، وبين الاحتجاج والتحريض، وأن تطبق القانون على الجميع من دون أن يتحول الخوف إلى حكم جماعي.

لكن هناك جانباً آخر من المشهد لا يقل أهمية.

في الأيام الأخيرة، لم يعد العنف محصوراً في علاقة المهاجرين بالحدود أو بالأجهزة الأمنية. شهدت المدينة توتراً متصاعداً بين بعض السكان والمهاجرين، مع تدمير مخيمات وإعاقة وصول المساعدات ووقوع مواجهات مع الشرطة. وفي إحدى أحدث الوقائع، أعلنت السلطات توقيف 12 مهاجراً بعد حادث استهدف مركبة عسكرية وأصيب خلاله أربعة عسكريين بجروح طفيفة.

وفي هذا المناخ، تصبح الكلمات السياسية أكثر من مجرد كلمات.

حين يتحدث وزير الخارجية عن «الوحدة» و«المصلحة العامة»، فهو يوجه رسالة إلى سكان المدينة وإلى المعارضة وإلى باقي أوروبا. وحين يكرر أن سبتة ومليلية جزء من «كل سنتيمتر» من التراب الإسباني، فإنه يغلق الباب بوضوح أمام أي قراءة قد توحي بأن أزمة الهجرة يمكن أن تتحول إلى نقاش حول السيادة.

وهذا موقف إسباني معلن، وله أن يكون كذلك.

في المقابل، للمغرب موقفه المعروف من سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين محتلتين.

لكن الخلاف بين الدولتين لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لإلغاء الإنسان الموجود في وسطه.

وهنا بالضبط تكتسب عبارة «احترام التنوع» التي وردت في تصريح ألباريس أهمية أكبر مما يبدو لأول وهلة.

إذا كانت سبتة ومليلية تريدان أن تكونا فضاءً للتعايش، فإن حماية هذا التعايش لا تعني فقط حماية سكان المدينة من احتمال دخول جماعي جديد. تعني أيضاً منع تحويل المهاجرين المغاربة إلى كتلة واحدة، أو تصوير كل شاب وصل إلى المدينة باعتباره تهديداً، أو ترك لغة «الغزو» و«الاستبدال» تتحول إلى وقود في الشارع.

ألباريس نفسه تحدث في سياق الأزمة عن حملات تضليل وعن خطاب «الغزو والاستبدال الثقافي»، محذراً من محاولات تعميق الاستقطاب حول سبتة ومليلية. كما دافع عن استمرار الحوار مع الرباط، وقال إن التعاون معها ساعد في إعادة غالبية الذين دخلوا خلال الأزمة ومنع محاولة جديدة في 15 غشت.

وهنا تظهر المفارقة التي تجعل التصريح الحالي مهماً.

مدريد تريد من الأزمة أن تُقرأ باعتبارها قضية سيادة وأمن وتعاون أوروبي ـ مغربي. وهذا مفهوم من زاوية الدولة.

لكن الأزمة نفسها أنتجت أسئلة لا تحلها الحدود وحدها.

ماذا يحدث للقاصر الذي دخل المدينة ولا يعرف أين يذهب؟

من يحمي الفتاة التي تقول إنها تعرضت لاعتداء؟

من يحمي المهاجر من الاعتداء عليه في الشارع؟

ومن يحمي سكان سبتة من الخوف ومن الفوضى ومن خطاب الكراهية في الوقت نفسه؟

هذه ليست أسئلة ضد إسبانيا، ولا دفاعاً عن أي جريمة ارتكبها مهاجر. إنها، في جوهرها، اختبار لعبارة «علوّ الدولة» التي اختارها وزير الخارجية بنفسه.

فإذا كان علو الدولة يعني شيئاً، فهو أن القانون لا يحتاج إلى عدو كي يثبت قوته.

الدولة القوية تستطيع أن تحمي حدودها، وتدافع عن موقفها من السيادة، وتعيد من دخل أراضيها وفق القانون، وفي الوقت نفسه تمنع الاعتداء على طفل أو امرأة أو شاب، أياً كانت جنسيته.

أما تحويل كل أزمة حدودية إلى معركة في الشارع، فذلك قد يحمي خطاب السيادة لبعض الوقت، لكنه لا يحمي بالضرورة المجتمع الذي يفترض أن تكون الدولة موجودة من أجله.

وهنا ربما تكون الرسالة الأهم التي يتركها تصريح ألباريس.

«كل سنتيمتر» من الأرض يمكن أن يكون موضع دفاع سياسي ودبلوماسي.

لكن قيمة الدولة لا تُقاس فقط بمقدار الأرض التي تقول إنها لن تتنازل عنها.

تُقاس أيضاً بمن تحميه فوق تلك الأرض.

وعندما يكون بين هؤلاء أطفال وقاصرون وشباب، فإن «علوّ الدولة» يبدأ، قبل أي شعار آخر، من أن يكون الشارع مكاناً للقانون لا مكاناً للعقاب الجماعي.