لقجع من تاونات: هل يستطيع المغرب أن يسير بسرعة واحدة قبل أن تنتهي سرعة الانتخابات؟

0
81

اختار فوزي لقجع من تاونات أن يتحدث عن «مغرب بسرعة واحدة»، وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى كأنها عنوان جديد لمرحلة جديدة، لكنها في الحقيقة امتداد مباشر لتشخيص ملكي أكثر وضوحاً وحسماً. ففي خطاب العرش لسنة 2025 قال الملك محمد السادس إن «لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين»، وربط ذلك باستمرار الفقر والهشاشة في بعض المناطق، خصوصاً في العالم القروي، وبالنقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية، داعياً إلى نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية. لذلك فإن القيمة السياسية لخطاب لقجع في تاونات لا تكمن في اكتشاف مفهوم السرعتين، بل في السؤال الذي يفرض نفسه على من يتولى اليوم الحديث باسم الحكومة المقبلة: ماذا تغير منذ أن صار التشخيص الملكي واضحاً؟

لقجع يتحدث من تاونات عن الطرق والتعليم والصحة، وعن ضرورة أن تصل التنمية إلى مختلف الأقاليم بالوتيرة نفسها، وعن شباب أثبتوا قدرتهم على النجاح كلما أتيحت لهم الفرصة. لكن هذه الملفات ليست جديدة، كما أن الأرقام التي يستند إليها الخطاب ليست اكتشافاً سياسياً. حين يقول إن أكثر من 300 ألف تلميذ يغادرون المدرسة سنوياً، فإنه يضع إصبعه على جرح معروف منذ سنوات، وليس على مشكلة ظهرت مع اقتراب الانتخابات. وقد سبق أن دار النقاش نفسه حول الهدر المدرسي، بل إن رئيس الحكومة نفسه قال، خلال سجال سابق مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إن «الجديد ليس أن نتكلم عن هذا المشكل، بل الجديد يجب أن يكون هو تقديم الحلول». وهذه الجملة القديمة تظل صالحة اليوم لمساءلة خطاب لقجع نفسه.

لأن السؤال لم يعد كم تلميذاً يغادر المدرسة، وإنما ماذا يحدث له بعد المغادرة؟ وماذا تفعل الدولة لكي لا يتحول الانقطاع المدرسي إلى انقطاع عن المجتمع والاقتصاد؟ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كان قد وضع هذه المسألة في سياق أوسع عندما تحدث أحمد رضا الشامي عن نحو 1.5 مليون شاب بين 15 و24 سنة لا يدرسون ولا يعملون ولا يتابعون تكويناً، وحذر من هدر الفرصة الديموغرافية للمغرب. وبحسب معطيات المجلس، يصل العدد إلى نحو 4.5 ملايين في الفئة العمرية بين 15 و34 سنة، مع ارتباط هذه الوضعية بالهشاشة والإقصاء ومخاطر الإحباط والهجرة السرية. هنا تصبح عبارة لقجع عن «الطاقات الشبابية» ناقصة إذا لم تتبعها إجابة عن كيفية إعادة هذه الكتلة البشرية إلى التعليم أو التكوين أو العمل.

المفارقة أن المغرب لا يعاني من نقص في التشخيص. الدولة تعرف مشكلة المدرسة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي يعرف مشكلة «شباب النيت»، والمندوبية السامية للتخطيط تقيس البطالة، والخطب الملكية تضع العدالة المجالية ضمن الأولويات. وحتى سوق الشغل، رغم التحسن الأخير، ما زال يسجل أكثر من مليون عاطل؛ فقد بلغ العدد 1.121 مليون خلال الفصل الثاني من 2026، فيما ظل معدل بطالة الشباب بين 15 و24 سنة مرتفعاً عند 27.2 في المائة. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام أي خطاب عن «المغرب بسرعة واحدة» ليس إثبات وجود المشكلة، بل إثبات أن الدولة انتقلت من مرحلة معرفة المشكلة إلى مرحلة القدرة على حلها.

ومن هنا تحديداً يصبح موقع لقجع أكثر حساسية. فهو لا يتحدث بصفته مراقباً من خارج السلطة، بل باعتباره الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضواً في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ويتحدث عن الحكومة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة. وهذا يمنح عباراته معنى يتجاوز الوصف التنموي؛ فهو يتحدث، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن أولويات المرحلة السياسية التي يريد أن يكون جزءاً من صناعتها. وعندما يدعو المواطنين إلى اختيار الكفاءات القادرة على تنفيذ البرامج، فإن الخطاب ينتقل من التنمية إلى الانتخابات، ومن تقييم الواقع إلى طلب التفويض لمعالجته.

وهنا ينبغي التمييز بين مستويين. أن تكون هذه خطابات انتخابية أمر طبيعي، لأن لقجع يخاطب المواطنين في لقاء حزبي وفي زمن يسبق الاستحقاق التشريعي، لكن كون الخطاب انتخابياً لا يعني أنه بلا مضمون. السؤال الأدق هو: هل يحدد الخطاب ما يمكن محاسبته عليه بعد الانتخابات، أم يكتفي بإعادة تعريف المشكلات التي يعرفها المغاربة أصلاً؟ الفرق بين الأمرين هو الفرق بين برنامج انتخابي وبين خطاب انتخابي. الأول يقدم أهدافاً وأدوات وآجالاً ومؤشرات للقياس؛ أما الثاني فيعيد ترتيب المخاوف الموجودة في المجتمع داخل لغة سياسية قابلة للتداول خلال موسم الانتخابات.

ولذلك فإن «مغرب بسرعة واحدة» يمكن أن يكون شعاراً قوياً، لكنه يصبح أكثر جدية عندما يتحول إلى مقياس زمني للإنجاز. إذا كانت تاونات تعاني من نقص في الطرق أو الصحة أو التعليم، فما الآجال المحددة لمعالجة ذلك؟ وإذا كان مئات الآلاف يغادرون المدرسة، ما المسار الذي سيعيد إدماجهم؟ وإذا كان أكثر من مليون مغربي عاطلين عن العمل، ومعهم ملايين الشباب خارج التعليم والتكوين والعمل، فأين موقع هؤلاء في هندسة الاقتصاد الجديد؟ وهل تكفي عبارة «فتح آفاق أمام الشباب» أمام سوق عمل يحتاج إلى مهارات واستثمارات وقطاعات منتجة قادرة على خلق وظائف مستقرة؟

حتى خطاب الملك نفسه وضع معياراً يتجاوز المشاريع حين أكد أنه لا يمكن أن يكون راضياً، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تنعكس بشكل ملموس على ظروف عيش المواطنين في جميع المناطق والجهات. وهذا يجعل «السرعة» ليست سرعة إنجاز المشاريع فقط، وإنما سرعة انتقال أثرها إلى حياة الناس. قد تُبنى الطريق بسرعة، لكن إذا بقي الشاب بلا تكوين ولا عمل، وإذا ظل التلميذ يغادر المدرسة، فإن جزءاً من المغرب سيظل خارج الإيقاع الذي تتحدث عنه الدولة.

من هذه الزاوية، تبدو تاونات في خطاب لقجع أكثر من مكان لعقد لقاء حزبي. إنها مناسبة لوضع الشعار أمام امتحانه الواقعي. فالمغرب الذي يسير بسرعة واحدة لا يحتاج فقط إلى ميزانيات أكبر أو مشاريع أكثر، وإنما إلى قدرة مؤسساتية على تحويل المال العام إلى فرص، وتحويل التعليم إلى مسار قابل للاستمرار، وتحويل الشباب من رقم في التقارير إلى قوة منتجة، وتحويل العدالة المجالية من مبدأ معلن إلى نتائج يمكن قياسها.

الجديد في خطاب لقجع، إذا أردنا البحث عنه بإنصاف، ليس في اكتشاف الفوارق ولا في اكتشاف الهدر المدرسي ولا في اكتشاف أزمة الشباب؛ كل ذلك معروف ومُشخّص. الجديد المحتمل هو أن الرجل يضع هذه الملفات داخل تصور سياسي للمرحلة المقبلة، ويقول إن الحكومة التي ستأتي بعد الانتخابات مطالبة بأن تقيس نجاحها بقدرتها على تقليص الفارق بين المناطق والفرص والسرعات. لكن هذا الجديد سيظل مجرد وعد انتخابي إلى أن يجيب الخطاب عن السؤال الذي لا يمكن تأجيله: ما الذي ستفعله الحكومة المقبلة بشكل مختلف عن الحكومات التي شخصت المشكلة نفسها، ورفعت الشعارات نفسها، وأعلنت البرامج نفسها؟

فبين «مغرب يسير بسرعتين» في التشخيص الملكي و«مغرب بسرعة واحدة» في الخطاب الانتخابي مسافة لا تقطعها الكلمات، وإنما النتائج. وقد تكون هذه هي المسافة الحقيقية التي ستقاس بها الحكومة المقبلة: ليس بقدرتها على وصف المغرب الذي نريده، وإنما بقدرتها على إقناع المواطن بأن زمن الانتظار نفسه بدأ يسير بسرعة واحدة.