لقجع من تنغير: «البام» يضع جيب المغربي وسط برنامجه… لكن فاتورة الوعود في الانتظار

0
90

من تنغير، لم يكتف فوزي لقجع بتقديم برنامج انتخابي آخر يضاف إلى عشرات البرامج التي يعرفها المغاربة في موسم الانتخابات. اختار أن يقترب أكثر من التفاصيل التي تدخل مباشرة إلى ميزانية الأسرة: معاش التقاعد، الدعم الاجتماعي، الضريبة على الدخل، فاتورة الكهرباء، أسعار المواد الأساسية، والصحة.

الأرقام التي قدمها ليست صغيرة.

الحد الأدنى للمعاش في تصور «البام» يصل إلى 3000 درهم شهرياً، والحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، فيما يقترح الحزب إعفاء الأسر ذات الاستهلاك الكهربائي المحدود، التي لا تتجاوز فاتورتها نحو 100 درهم شهرياً، من الأداء. وفي الشق الضريبي، يتجه البرنامج إلى إعفاء الأجور الإجمالية التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل.

بهذا المعنى، كان لقجع يتحدث في تنغير عن البرنامج من الجهة التي يفهمها المواطن بسرعة: كم سيبقى في جيبه؟ وكم سيدفع في نهاية الشهر؟ وماذا سيحدث لمعاشه عندما تنتهي سنوات العمل؟

لكن قصة البرنامج لا تبدأ من هذه الأرقام وحدها.

قبل أيام، كان لقجع قد قدم أمام الاتحاد العام لمقاولات المغرب جزءاً من الحساب الذي يستند إليه الحزب. تحدث عن نحو 280 مليار درهم مرتبطة بالسياسات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، وعن ارتفاع ميزانية الصحة والتعليم، معتبراً أن حجم الإنفاق لم يتحول دائماً إلى الأثر الذي ينتظره المواطن في حياته اليومية.

وهنا يتغير معنى الحديث عن القدرة الشرائية.

فـ«البام» لا يقترح فقط زيادة بعض المداخيل. البرنامج الذي عرضه الحزب في فاتح شتنبر، والذي يمتد لخمس سنوات بين 2027 و2031، يضع 350 مليار درهم كغلاف استثماري إجمالي، بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنوياً، ويقسم التدخلات إلى تعاقدات والتزامات تشمل القدرة الشرائية والشغل والصحة والماء والطاقة والتنمية الترابية.

لقجع يعرف، بحكم موقعه الحكومي الحالي، أن الإعلان عن مبلغ ليس هو أصعب جزء في القصة.

الأصعب هو السؤال التالي: من أين سيأتي المال؟

الحزب قدم بالفعل تصوراً للتمويل، يتحدث عن 300 مليار درهم يفترض أن يوفرها النمو الاقتصادي، و40 ملياراً من مساهمة الجماعات الترابية، و10 مليارات من ترشيد نفقات الدولة. وهذه الأرقام جزء من التصور الذي قدمه «البام» لتمويل برنامجه البالغ 350 مليار درهم.

لذلك فإن الحديث عن 3000 درهم للمتقاعد أو 1000 درهم للدعم المباشر لا ينبغي أن يُقرأ منفصلاً عن بقية البرنامج.

الحزب يريد في الوقت نفسه تخفيف الضريبة على الأجراء، وتوسيع الدعم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات، وتمويل إصلاحات صحية، وخلق مليون منصب شغل، والاستثمار في الماء والطاقة والبنيات التحتية. كما يطرح عقد العمل الأول لفائدة 500 ألف شاب، ومواكبة عشرات الآلاف من المقاولات الناشئة.

المواطن، بطبيعة الحال، لا يحتاج إلى كل هذه الحسابات حتى يفهم أهمية الوعد. بالنسبة إلى متقاعد يعيش على معاش محدود، فإن الانتقال إلى 3000 درهم ليس رقماً في وثيقة انتخابية. وبالنسبة إلى أسرة فقيرة، فإن مضاعفة الحد الأدنى للدعم من حوالي 500 إلى 1000 درهم تعني فرقاً محسوساً في آخر الشهر.

لكن البرنامج نفسه يضع شرطاً آخر: أن يصل الدعم إلى من يستحقه فعلاً.

ومن هنا جاء انتقاد لقجع لبعض معايير الاستهداف الحالية، حين تساءل عن جدوى حرمان أسرة محتاجة من الدعم فقط لأنها تملك هاتفاً أو دراجة أو وسيلة بسيطة للتنقل. في تصوره، يجب أن يكون الدخل الحقيقي والوضع الاجتماعي هما أساس تحديد الاستحقاق، مع خروج المستفيد من منظومة الدعم عندما تتحسن وضعيته ويصبح قادراً على تحقيق دخل كاف.

الفكرة هنا تتجاوز زيادة مبلغ الدعم. إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن المحتاج: دعم لمن يحتاج، ومغادرة للمنظومة عندما تزول الحاجة.

وفي الضريبة على الدخل، يذهب البرنامج إلى الاتجاه نفسه من زاوية مختلفة. فالإعفاء المقترح للأجور الإجمالية التي تقل عن 15 ألف درهم يعني أن جزءاً واسعاً من الأجراء سيشعر بالإجراء داخل الراتب نفسه، بدل انتظار أثر غير مباشر لسياسة اقتصادية بعيدة عن الحساب الشهري للأسرة.

أما الأسعار، فالقصة أكثر تعقيداً.

لقجع سبق أن ربط القدرة الشرائية ليس فقط بالدخل، وإنما أيضاً بطريقة وصول السلعة إلى المستهلك، وانتقد تعدد الوسطاء وارتفاع الفارق بين ثمن المنتج والثمن الذي يدفعه المواطن. البرنامج يقترح في هذا السياق التدخل في مسالك التوزيع وتقليص هوامش الوسطاء والمضاربين وتعزيز آليات ضبط السوق.

وهذا تفصيل مهم، لأن زيادة دخل الأسرة لا تعني بالضرورة تحسن قدرتها الشرائية إذا ظلت الأسعار ترتفع بالوتيرة نفسها.

ومن هنا يبدو أن «البام» يحاول أن يقدم وصفته على طرفين: زيادة ما يدخل إلى جيب المواطن، ومحاولة خفض ما يخرج منه.

الصحة والشباب والماء والطاقة تدخل كلها في الحساب نفسه.

في الصحة، لا يتحدث البرنامج عن المستشفى باعتباره بناية فقط، وإنما عن قدرة المواطن على الوصول إلى العلاج فعلياً. وفي الماء، يطرح الحزب رؤية تمتد إلى ما وراء التدخلات الاستعجالية المرتبطة بالجفاف، فيما يقترح في الطاقة توسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة.

والشباب يحتلون مساحة خاصة في هذا التصور، من التكوين إلى أول فرصة عمل ثم إنشاء المقاولة. البرنامج يتحدث عن ثلاثة ملايين شاب خارج منظومتي التعليم والعمل والتكوين، وعن ضرورة عدم الخلط بين دخل يومي مؤقت وبين وظيفة مستقرة تدمج الشاب فعلياً في الاقتصاد.

حتى هنا، تبدو الصورة متماسكة: قدرة شرائية، دخل، دعم، شغل، خدمات عمومية، ماء وطاقة.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة البرنامج على إنتاج أرقام كبيرة، وإنما في قدرته على تحويل تلك الأرقام إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتمويل والقياس.

لقجع نفسه جعل من هذه النقطة جزءاً من خطاب «البام»، حين قدم البرنامج باعتباره وثيقة يفترض أن تسمح للمواطن بمحاسبة الحزب على ما تعهد به. والحزب يقول إن وثيقته الانتخابية جاءت بعد عمل اقتصادي وتقني واسع، وإنها لا تكتفي بتحديد الأهداف وإنما تربطها بالكلفة ومصادر التمويل.

وهذا يرفع سقف المسؤولية السياسية أكثر مما يخفضه.

فحين تقول لحوالي متقاعد إن الحد الأدنى لمعاشه سيكون 3000 درهم، ولأسرة محتاجة إن دعمها لن يقل عن 1000 درهم، ولأجير إن ضريبته ستنخفض، ولأسرة فقيرة إن فاتورة كهربائها قد تصبح صفراً، فأنت لا تقدم شعاراً عاماً. أنت تقدم أرقاماً يستطيع المواطن أن يتذكرها، ثم يسأل عنها.

ومن تنغير، اختار لقجع أن يضع هذه الأرقام في قلب الخطاب الانتخابي لـ«البام».

أما ما سيحدث لها بعد 23 شتنبر، فليس من اختصاص الخطاب الانتخابي أن يحسمه مسبقاً. ذلك مرتبط بالنتائج، وبموقع الحزب داخل الأغلبية المقبلة، وبالقدرة على تحويل الحسابات الموضوعة على الورق إلى قرارات وميزانيات وإجراءات.

وهنا تحديداً يبدأ الامتحان الأصعب للبرنامج: ليس في إقناع المواطن بأن حاجته مفهومة، وإنما في إقناعه، بعد ذلك، بأن الوعد قابل للحياة.