لقجع يرفع «القدرة الشرائية» إلى واجهة المعركة.. ورسالة ما بين السطور إلى «الأحرار»
لم يكن لقجع يتحدث عن أسعار اللحوم فقط. فقد اختار، في أول ظهور علني له بعد تفجر قضية التسجيل، أن ينقل النقاش إلى مساحة أكثر التصاقاً بالناخب: المائدة، السوق، وثمن اللحم.
قال إن «الإرهابيين الحقيقيين» هم الذين حولوا فرحة عيد الأضحى إلى قلق لدى الأسر المغربية، مضيفاً أنه «مايمكنش نخليو المغاربة يمشيو يشريو اللحم بـ150 ولا 160 درهم». وفي الخطاب نفسه جعل القدرة الشرائية «أولى أولوياتنا في المستقبل».
العبارة، في حد ذاتها، قابلة لأن تُقرأ كإدانة للمضاربة والاحتكار. لكن توقيتها يجعلها تحمل طبقة سياسية إضافية، من دون أن يعني ذلك أن لقجع قال صراحة إنه يرد على الطالبي العلمي.
فالتسجيل الذي انتشر منذ الثلاثاء 25 غشت، والمنسوب إلى رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، يتضمن رفضاً واضحاً لتولي لقجع حقيبة الاقتصاد والمالية في الحكومة المقبلة، مع حديث عن احتمال استمرار نادية فتاح العلوي في المنصب إذا جاء «الأحرار» في المرتبة الثانية. وتحدث التسجيل أيضاً عن استقطاب منتخبين وبرلمانيين من أحزاب أخرى.
والأهم أن مضمون التسجيل لم يعد مجرد سجال حول مرشح أو حقيبة وزارية. فهو يفترض، قبل أن يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع، سيناريوهات للترتيب الحكومي المقبل.
وهنا تصبح جملة لقجع عن «ثقافة توزيع الغنائم» أكثر دلالة.
«الغنائم» ليست كلمة عابرة
قال لقجع إن حزبه «بعيد كل البعد عن ثقافة توزيع الغنائم بدون استحقاقها»، وإن هذه الثقافة «لا تعنينا ولا تهمنا لا حاضرا لا مستقبلا».
مرة أخرى، لا يوجد في كلامه اتهام مباشر للطالبي العلمي أو لحزب بعينه. لكن الحديث عن «الغنائم» في هذا التوقيت، بعد تسجيل يدور جزء أساسي من مضمونه حول المواقع والحقائب وترتيبات ما بعد الانتخابات، يجعل العبارة تدخل تلقائياً في صلب النقاش السياسي الدائر.
والانتخابات التشريعية ليست موعداً بعيداً. الحكومة حددت رسمياً يوم 23 شتنبر 2026 لانتخاب أعضاء مجلس النواب، على أن تبدأ الحملة الانتخابية في 10 شتنبر وتنتهي ليلة 22 شتنبر.
أي أن المغرب يوجد الآن في الأسابيع الأخيرة التي تسبق لحظة ستعيد ترتيب موازين القوى داخل الأحزاب وفي ما بينها.
لهذا تبدو المعركة الحالية غريبة في ظاهرها: أحزاب يفترض أنها تستعد لإقناع الناخب ببرامجها، لكنها تتحدث في الوقت نفسه عن انتقال المنتخبين، ومن يحتل المرتبة الأولى أو الثانية، ومن يصل إلى الحكومة، ومن يحصل على حقيبة بعينها.
من «الاستقطاب» إلى سؤال من يحكم ماذا؟
الاشتباك بين «البام» و«الأحرار» لم يبدأ مع لقجع. لكن دخول الأخير إلى «البام» ثم موجة استقطاب عدد من الوجوه والمنتخبين، وفق ما أوردته وسائل إعلام، نقلت المنافسة إلى مستوى أكثر حساسية. وقد ربطت تغطيات عديدة التسجيل المتداول بهذا الصراع تحديداً.
لكن ما يكشفه كلام لقجع اليوم هو محاولة تغيير أرضية المواجهة.
بدلاً من الدخول في جدل مباشر حول من قال ماذا، أعاد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية تعريف المعركة من زاوية الأداء: المواطن لا يهمه من يحتفظ بمنصبه بقدر ما يهمه ثمن ما يشتريه، وقدرته على تدبير حياته، والنتائج التي يراها في حياته اليومية.
قالها بوضوح: «حنا نقدرو نهضرو كيف ما بغينا… ولكن خاصنا نلقاو النتائج الملموسة على حياة المواطنات والمواطنين يوميا».
وهذه نقطة سياسية أكثر منها تقنية.
لأن لقجع لا يتحدث هنا فقط بصفته قيادياً في «البام»، بل بصفته أيضاً وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، أي أحد المسؤولين الموجودين داخل قلب منظومة القرار المالي. لذلك فإن وضع القدرة الشرائية في مقدمة الخطاب الانتخابي يضع عليه، وعلى حزبه، سؤالاً مقابلاً: إذا كانت القدرة الشرائية هي الأولوية، فما الذي يمكن فعله فعلياً لخفض كلفة المعيشة، وليس فقط وصف معاناة المواطنين؟
فالوقائع السابقة لعيد الأضحى أظهرت أن المشكلة لم تكن مجرد انطباع انتخابي. قبل العيد، تحدثت مصادر إعلامية عن وفرة في العرض، فيما تراوحت توقعات الأسعار بشكل واسع. وبعد ذلك، خلص تقرير للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى تسجيل ارتفاعات كبيرة في أسعار الأضاحي، مع زيادات قُدرت بين 700 و1300 درهم مقارنة بموسم 2024 بالنسبة لبعض الفئات.
وهنا تكمن المفارقة التي لا تحلها كلمة «فراقشية».
إذا كانت هناك مضاربات واحتكارات أضرت بالمستهلك، فالمطلوب ليس فقط تحديد المسؤولين عنها، بل معرفة لماذا استطاعت الأسعار أن تصل إلى المواطن بهذه الصورة، وأين كانت حلقات الرقابة والتنظيم والتوزيع، ومن يتحمل مسؤولية الخلل عندما يتحول حدث اجتماعي يفترض أن يكون مناسبة للفرح إلى مصدر ضغط على ميزانية الأسرة.
من «التراكتور» إلى المواطن
في جزء آخر من خطابه، حاول لقجع توسيع الرسالة الانتخابية لحزبه.
قال للشباب إن عليهم التوجه إلى صناديق الاقتراع في 23 شتنبر، لكنه رفض أن تختزل العلاقة بالمواطن في طلب التصويت على رمز «التراكتور». المطلوب، بحسبه، هو شرح الأهداف والوسائل وإخراج المواطن من الهامش ليصبح «فاعلا أساسيا في الفعل السياسي».
وهنا أيضاً يلتقي الخطاب مع اللحظة الانتخابية أكثر مما يلتقي مع مجرد لقاء حزبي محلي.
فإذا كانت الانتخابات المقبلة ستنتج حكومة جديدة، فإن المعركة لن تكون فقط على عدد المقاعد. ستكون أيضاً على الشرعية السياسية التي تسمح لكل حزب بأن يقول إنه يملك تصوراً للمرحلة المقبلة.
ولهذا تحدث لقجع عن «مغرب بسرعتين»، وعن ضرورة أن تتحرك البلاد «من طنجة إلى الكويرة» بإيقاع تنموي واحد، وعن ضرورة الوصول إلى القرى والجبال والمناطق البعيدة.
الرسالة واضحة: لا يريد أن يبقى النقاش محصوراً في الرباط، والبرلمان، والحقائب الوزارية. يريد أن يعاد وضع الناخب في مركز المشهد.
لكن نجاح هذه الرسالة سيتوقف على شيء واحد: هل تستطيع الأحزاب تحويل هذا الخطاب إلى برنامج قابل للقياس؟
المعركة الحقيقية بدأت قبل 23 شتنبر
ما حدث خلال اليومين الماضيين يقول شيئاً مهماً عن الانتخابات المقبلة.
الاقتراع لم يبدأ بعد، والحملة الرسمية لن تنطلق إلا في 10 شتنبر، لكن النقاش حول الحكومة المقبلة، وتركيبة الأغلبية، والاستوزار، واستقطاب المنتخبين، بدأ بالفعل.
ولهذا فإن عبارة «الإرهابيين الحقيقيين» يمكن أن تُقرأ على مستويين: في ظاهرها هجوم على المضاربين الذين أفسدوا على الأسر فرحة العيد، وفي سياقها السياسي رسالة تقول إن المعركة التي يريد لقجع خوضها ليست معركة منصب فقط.
إنها معركة على تعريف ما ينبغي أن يكون عليه الصراع الانتخابي نفسه.
هل يكون حول من سيأخذ وزارة المالية؟ أم حول من يستطيع أن يقنع المواطن بأن دخله سيكفيه أكثر، وأن السوق لن يتحول في كل مناسبة اجتماعية إلى امتحان جديد لقدرته على الاحتمال؟
هذا هو الاختبار الذي سيصعب على الجميع الهروب منه بعد 23 شتنبر. لأن صناديق الاقتراع قد تمنح حزباً المرتبة الأولى، وقد تمنح آخر المرتبة الثانية، وقد تعيد تركيب التحالفات. لكن ما سيبقى بعد ذلك هو السؤال الذي طرحه لقجع نفسه، من دون أن يحتاج إلى صياغته بهذه الطريقة: ما الذي سيتغير فعلاً في حياة المواطن؟
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة الأكثر أهمية هي من سيربح وزارة المالية، بل من سيستطيع أن يجعل المواطن يشعر بأن السياسة التي يتنافس أصحابها على تلك الوزارة تُدار من أجل جيبه أيضاً، لا من أجـل ترتيب الكراسي فقط.