لقجع و«دعم الفراقشية».. المرسوم الذي ظهر في الصورة لا يكفي، لكن الوثائق تقول شيئاً آخر

0
102

خرج فوزي لقجع، في خضم الجدل الذي عاد إلى ملف دعم استيراد الأغنام، ليقدم روايته حول المسؤولية عن العملية، ومن بين ما نُسب إليه أن الدعم لم يكن بمرسوم وإنما جاء في إطار قانون المالية. ومع انتشار صورة مرسوم رسمي يحمل توقيعه، بدا الأمر بالنسبة إلى البعض محسومًا: ها هو المرسوم، وها هو اسم لقجع وتوقيعه، إذن الرجل يقول شيئاً وتقول الوثيقة شيئاً آخر.

غير أن قراءة الوثيقة نفسها، بعيداً عن الحماس الذي رافق تداولها، تفرض قدراً من التريث. فالوثيقة الموجودة في الصورة هي المرسوم رقم 2.26.584 الصادر في 23 يوليوز 2026، ومضمونه واضح: وقف استيفاء رسم الاستيراد على الأغنام الحية ولحوم الأبقار والأغنام والماعز والإبل إلى غاية 31 دجنبر 2026، مع تحديد رسم الاستيراد على أحشاء هذه الحيوانات في 30 في المائة. وقد صادق مجلس الحكومة على مشروع المرسوم قبل صدوره، وأسند تنفيذه إلى الوزير المنتدب المكلف بالميزانية.

بمعنى آخر، المرسوم موجود فعلاً، وتوقيع فوزي لقجع موجود فعلاً، لكن هذا ليس مرسوم الـ500 درهم الذي دارت حوله قضية دعم مستوردي الأغنام في 2023 و2024. والخلط بين الأمرين قد يعطي خصم لقجع مادة سهلة للرد، لأن الوثيقة لا تتحدث عن دعم مالي بقيمة 500 درهم للرأس، ولا تحدد المستفيدين منه، وإنما تتعلق بالرسوم الجمركية المطبقة على الاستيراد.

لكن التخلص من هذه الورقة لا ينهي السؤال الذي يطرح على لقجع، وإنما ينقل النقاش إلى الوثيقة التي تبدو أكثر أهمية في الموضوع.

فوزارة الفلاحة أعلنت رسمياً، في أبريل 2025، حصيلة عملية دعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024، وقالت إن الحكومة خصصت 500 درهم عن كل رأس، وإن الكلفة الإجمالية بلغت 437 مليون درهم، منها 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليوناً سنة 2024. وخلال العمليتين تم استيراد حوالي 875 ألف رأس، وانخرط في مسطرة الاستيراد 156 مستورداً، 61 منهم في 2023 و95 في 2024.

المعلومة التي تستحق التوقف عندها ليست فقط حجم المبلغ، وإنما الطريقة التي وصفت بها الوزارة الإطار القانوني للعملية. فالبلاغ الرسمي يقول إن المجال فتح أمام المستوردين الذين تتوفر فيهم الشروط المنصوص عليها في القرار الوزاري المشترك بين وزارة المالية ووزارة الفلاحة. أي أن وزارة المالية كانت موجودة في الآلية التي حددت شروط العملية، وليست مجرد جهة بعيدة وضعت المال في قانون المالية ثم تركت الملف بالكامل لقطاع آخر.

وهنا يصبح من الصعب أن يكون النقاش الجدي هو: هل وقّع لقجع شخصياً لكل مستورد؟ لا توجد أمامنا وثيقة تثبت ذلك، ولا يصح تحميله اختيار المستوردين واحداً واحداً من دون دليل. كما أن مسؤولية العملية لم تكن مسؤولية وزارة واحدة؛ فالقطاع الفلاحي يملك الاختصاص التقني والقطاعي، فيما تدخل وزارة المالية في الجانب المالي والتنظيمي الذي يخصها.

لكن في المقابل، يصعب أيضاً أن تُقدَّم العملية للرأي العام وكأن وزير الميزانية لم يكن له فيها سوى دور محاسبي محض. البلاغ الحكومي نفسه يضع وزارة المالية داخل القرار المشترك الذي حدد شروط الاستفادة. وهذه ليست قراءة سياسية ولا تأويلاً انتخابياً؛ إنها معلومة واردة في الوثيقة الرسمية التي قدمت بها الحكومة حصيلة العملية.

ثم إن فوزي لقجع نفسه سبق أن تحدث عن هذا الملف أمام البرلمان. ففي أكتوبر 2024، وخلال مناقشة مشروع قانون المالية، أقر بأن دعم الـ500 درهم المخصص لاستيراد الأغنام لم يحقق النتيجة التي كانت الحكومة تنتظرها، وهو موقف مهم لأنه يبين أن وزير الميزانية لم يكن يتعامل مع الملف باعتباره شأناً بعيداً عن اختصاصه، بل كان يناقش حصيلته وأثره.

هنا تحديداً يصبح من المفيد أن نفصل بين سؤالين كثيراً ما اختلطا في السجال. الأول: من أصدر النص القانوني أو التنظيمي الذي سمح بالدعم؟ والثاني: من يتحمل المسؤولية الحكومية عن تصميم العملية وتمويلها وتنفيذها وتقييم نتائجها؟ قد يكون الجواب عن السؤال الأول مختلفاً عن الثاني، وهذه هي النقطة التي لا تظهر في الخطاب السياسي عندما تختصر القضية في عبارة «كان قانوناً وليس مرسوماً».

نعم، يمكن أن يكون الاعتماد المالي قد أُدرج في قانون المالية، وأن تكون آلية التنفيذ قد جاءت بعد ذلك في نص تنظيمي أو قرار مشترك. وهذا لا يجعل كل قرار تنفيذي «قانوناً»، كما أن وجود قانون مالية لا يلغي النصوص التنظيمية التي تنفذ السياسة العمومية. لذلك فإن السؤال الأدق الذي كان ينبغي أن يوجه إلى لقجع ليس: «أين هو مرسوم الـ500 درهم؟»، لأن الوثيقة المتداولة ليست ذلك المرسوم أصلاً، وإنما: ما هو السند القانوني الكامل للعملية، ومن وقع القرار المشترك الذي حدد شروط الدعم، ومن كان مسؤولاً عن الجانب المالي، وكيف تم صرف الـ437 مليون درهم؟

وهنا تدخل الأرقام في النقاش بطريقة مختلفة. نحن لا نتحدث عن بضع معاملات تجارية عادية، وإنما عن 437 مليون درهم من المال العام، استفاد منها 156 مستورداً وفق الحصيلة الرسمية، مقابل استيراد حوالي 875 ألف رأس. الحكومة قدمت هذه الأرقام، ووزارة الفلاحة دافعت عن العملية باعتبارها ساهمت في تعزيز العرض خلال عيدي الأضحى والحفاظ على القطيع واستقرار الأسعار، بينما كان لقجع قد قال قبل ذلك إن الدعم لم يحقق النتيجة المنتظرة.

وهذا التباين في تقييم النتيجة أهم بالنسبة إلى الرأي العام من مسألة العثور على توقيع في أسفل مرسوم جديد. فإذا كانت الحكومة أنفقت 437 مليون درهم لتحقيق هدف محدد، ثم قال وزير المالية نفسه إن النتيجة لم تكن في مستوى الانتظار، فالمسألة التي تستحق النقاش هي لماذا لم تكن كذلك، ومن قيّم العملية قبل تمديدها، وما الذي تغير بين قرار اعتمادها وبين الحكم على نتائجها.

أما صورة المرسوم التي تحمل توقيع لقجع، فهي تبقى وثيقة رسمية صحيحة، لكن ينبغي وضعها في مكانها الصحيح. إنها تثبت أن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وقع مرسوماً يتعلق برسوم استيراد المواشي واللحوم في يوليوز 2026، وأن تنفيذ مقتضياته أسند إليه. لكنها لا تثبت أن هذا هو النص الذي أقر دعم الـ500 درهم في 2023 و2024.

لذلك، إذا كان المطلوب مساءلة فوزي لقجع، فالأفضل ألا تكون المساءلة مبنية على وثيقة لا تقول ما ننسبه إليها. الوثيقة الأقوى موجودة أصلاً في مكان آخر: قرار مشترك بين المالية والفلاحة، وعملية كلفت 437 مليون درهم، و156 مستورداً، وحوالي 875 ألف رأس، ثم تقييمان مختلفان لنتيجة السياسة نفسها.

وهنا يمكن أن يُطرح السؤال على الوزير بصيغته البسيطة: إذا كان دورك في العملية يقتصر على توفير الاعتمادات كما تقول، فلماذا كانت وزارة المالية طرفاً في القرار المشترك الذي حدد شروط الاستفادة؟ وإذا كانت العملية قد حققت أهدافها كما قالت وزارة الفلاحة، فلماذا قلت أمام البرلمان إن دعم الـ500 درهم لم يحقق النتيجة المنتظرة؟

أما جواب «كان قانوناً وليس مرسوماً»، فقد يحسم فقط نوع النص الذي أُنشئت أو أُطرت به العملية. لكنه لا يحسم وحده سؤال المسؤولية عن سياسة كلفت المال العام 437 مليون درهم.

وهذا، في النهاية، هو السؤال الذي يستحق أن يبقى على الطاولة.