390 مليار درهم في خمس سنوات: كيف يبرر لقجع تمويل برنامج «البام» وحدود المديونية؟

0
88

من كلفة البرنامج إلى شروط تمويله، يضع فوزي لقجع النمو والعجز والاقتراض في قلب النقاش حول قدرة الدولة على الجمع بين الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية وانضباط المالية العمومية. لكن الأرقام المعلنة تحتاج إلى قراءة في تفاصيلها، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالفارق بين كلفة الوعود، وما تتحمله الميزانية، وما يتطلبه تنفيذها فعلياً.

من 350 إلى 390 ملياراً: الرقم الذي تغير قبل أن يبدأ التنفيذ

في الحلقة الثالثة من بودكاست «بوضوح»، قدم فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، تصوراً لتمويل البرنامج الاجتماعي والاقتصادي الذي يقترحه الحزب خلال خمس سنوات. الكلفة التي انطلق منها التصور كانت في حدود 350 مليار درهم، قبل أن ترتفع إلى قرابة 390 ملياراً بعد إضافة إجراءات مرتبطة، خصوصاً، بالصحة والتعليم.




من هذا المبلغ الإجمالي، يفترض أن تتحمل الميزانية العامة للدولة 314 مليار درهم، بينما يأتي الجزء المتبقي من مساهمات الجماعات الترابية والجهات والمجالس الإقليمية. وهي أرقام عرضها لقجع بوصفها جزءاً من هندسة مالية تستند إلى نمو اقتصادي في حدود 5 في المائة وعجز في حدود 3 في المائة.

الفرق بين الكلفة الإجمالية ومساهمة الميزانية ليس تفصيلاً محاسبياً ثانوياً. إنه يحدد نطاق الالتزام المباشر الذي يضعه البرنامج على المالية المركزية، ويترك في الوقت نفسه سؤالاً حول طبيعة الموارد التي ستعبئها المؤسسات الترابية، ومدى ارتباط تنفيذ المشاريع بقدرتها على المساهمة. فالأرقام المقدمة تحدد حجم التمويل المتوقع، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الموارد ستتوفر في كل سنة وبالوتيرة المطلوبة.

البرامج الاجتماعية بين الكلفة والاستمرارية

يضع لقجع البرنامج داخل تصور أوسع للدولة الاجتماعية. وفي عرضه، لا يتعلق الأمر فقط بالدعم المباشر أو بالتغطية الصحية الإجبارية، وإنما بمنظومة تشمل الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والتشغيل، إلى جانب تمكين الفئات القادرة على الاستثمار من إطلاق مشاريعها.

توزيع الـ314 مليار درهم الذي عرضه يعطي صورة عن المجالات التي يريد الحزب إعطاءها أولوية. البرامج المجالية المندمجة مخصصة لها 57 مليار درهم، بينما تبلغ كلفة الحماية الاجتماعية وإصلاح التقاعد 108 مليارات. ويقترح التصور رفع بعض المساعدات من 500 إلى 1000 درهم، مع مراجعة معايير الاستفادة، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، بحسب المعطيات التي نقلتها مصادر صحافية عن الحلقة.

ويحضر دعم القدرة الشرائية بغلاف يصل إلى 93 مليار درهم خلال السنوات الخمس، فيما يخصص محور إدماج الشباب 30 ملياراً، وتبلغ مساهمة الميزانية في تطوير البنيات التحتية وتسريع إنجاز المشاريع 26 مليار درهم.

هذه التوزيعات تشرح أين يريد البرنامج أن ينفق، لكنها تترك الحاجة إلى معرفة تفاصيل إضافية حول كيفية احتساب الكلفة: ما الجزء الذي يمثل نفقات جديدة؟ وما الذي يرتبط بتوسيع برامج قائمة؟ وكيف ستتطور الاعتمادات من سنة إلى أخرى؟ تلك أسئلة تتجاوز عرض الغلاف المالي الإجمالي، وتدخل في صميم قابلية التنفيذ.

النمو والعجز: الفرضية التي يقوم عليها التمويل

ربط لقجع قدرة الدولة على تنفيذ هذه الالتزامات بتحقيق نمو اقتصادي في حدود 5 في المائة والحفاظ على عجز الميزانية عند 3 في المائة. وهو يشرح العلاقة بين العجز والمديونية من خلال حجم الناتج الداخلي الخام: كل نقطة مئوية، وفق الحساب الذي قدمه، تعادل نحو 14 مليار درهم. وبذلك يقدر تمويل عجز عند 3 في المائة بنحو 42 مليار درهم، مقابل ما يقارب 100 مليار درهم إذا بلغ العجز 7 في المائة.

الحساب يوضح أثر اتساع العجز على حاجات التمويل، لكنه لا يحول العلاقة الحسابية إلى ضمان تلقائي لمسار الدين. فالمديونية تتأثر أيضاً بتطور الناتج، وتكلفة الاقتراض، وإعادة التمويل، وحجم العمليات المالية، فضلاً عن الفرق بين العجز المعلن والحاجات الفعلية للخزينة. لذلك فإن بلوغ عجز محدد يظل هدفاً من أهداف التدبير المالي، لا نتيجة يمكن اعتبارها محسومة بمجرد الإعلان عنها.

ويستند التصور كذلك إلى تطور الموارد الجبائية وتعزيز الموارد غير الجبائية، خصوصاً من خلال مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الأنشطة التجارية والاقتصادية في الميزانية. كما تحدث لقجع عن الحفاظ على كتلة الأجور ونفقات الإدارة في مستويات مستقرة مقارنة بالناتج الداخلي الخام، مع احتساب الزيادات الناتجة عن الترقيات ونتائج الحوار الاجتماعي.

المديونية: بين بنية الدين وحدود الاطمئنان

في الجزء المتعلق بالدين، قدم لقجع قراءة تركز على ضبط العجز وترشيد الاقتراض بدل التعامل مع المديونية باعتبارها خياراً مرفوضاً في جميع الحالات أو مورداً مفتوحاً لتمويل الإنفاق. وتوقع انتقال نسبة المديونية من نحو 66.8 في المائة إلى قرابة 62 في المائة خلال الأفق الذي يغطيه البرنامج، معتبراً أن المستوى المتوقع يبقى بعيداً عن المستويات التي يصفها بالمقلقة.

كما أشار إلى أن نحو ثلثي الدين المغربي داخلي مقابل ثلث خارجي، وربط ذلك بتقليص مخاطر تقلبات العملات الأجنبية. وأكد أن الاقتراض ينبغي أن يوجه إلى الاستثمار، مستنداً في عرضه إلى الإطار القانوني للمالية العمومية وإلى حديثه عن إيجابية الفارق بين الموارد العادية والنفقات العادية خلال السنوات الماضية.

التمييز بين الدين الداخلي والخارجي يساعد على فهم تركيبة المخاطر، لكنه لا يلغي الحاجة إلى متابعة شروط التمويل الداخلي، وتطور أسعار الفائدة، وآجال الاستحقاق، وقدرة الميزانية على تحمل خدمة الدين. كما أن توجيه الاقتراض إلى الاستثمار لا يكفي وحده للحكم على مردوديته؛ فالأثر المالي والاقتصادي يرتبط بطبيعة المشاريع، وجودة تنفيذها، وقدرتها على إنتاج قيمة مضافة أو تحسين الخدمات العمومية.

أما الحديث عن بقاء المديونية خارج «المناطق الحمراء»، فيظل تقديراً قدمه لقجع ضمن تصوره المالي. ولا ينبغي تحويله إلى تصنيف دولي مستقل ما لم يُحدد المعيار المعتمد، والجهة التي تضعه، والفترة التي يقاس فيها. فمستويات الدين لا تُقرأ بمعزل عن بنية الاقتصاد، وكلفة التمويل، ومسار الإيرادات والنفقات.

من التمويل إلى الاختبار السياسي

تتصل الأرقام التي قدمها لقجع بالبرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، ولذلك فإنها تضع التصور المالي أمام نقاش يتجاوز قدرة الخزينة على توفير الاعتمادات. فالمسألة تشمل أيضاً كيفية تحويل الغلاف المعلن إلى برامج محددة، وتوزيعها زمنياً، وربطها بمؤشرات قابلة للمتابعة.

وفي حديثه عن جولاته خلال الحملة الانتخابية، قال لقجع إن الاحتكاك المباشر بالمواطنين أتاح له الوقوف على مظاهر الخصاص في الصحة والتعليم والتشغيل والدعم. وأضاف أن المطالب التي واجهها ميدانياً تتقاطع مع المحاور التي يتضمنها برنامج الحزب، مع إقراره بأنه لم يتمكن من زيارة جميع المناطق والدوائر.

كما شدد على استمرار التواصل مع المواطنين بعد الانتخابات، وعلى ضرورة أن يكون المواطن شريكاً في الفعل العمومي، سواء في الجبل أو السهل أو الصحراء أو الشمال.

يبقى التصور الذي عرضه لقجع مرتبطاً بمجموعة من الشروط: نمو اقتصادي مرتفع نسبياً، وضبط العجز، وتطور الموارد، والحفاظ على مسار يمكن معه تمويل الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية. وتحتاج هذه الفرضيات، في حال الانتقال إلى التنفيذ، إلى أن تُترجم إلى قوانين مالية واعتمادات سنوية ومؤشرات إنجاز، حتى يمكن مقارنة ما تعهد به البرنامج بما يتحقق على الأرض.

فالـ390 مليار درهم التي وضعت على الطاولة تحدد حجم الطموح المالي المعلن، بينما ستتوقف قراءة نتائجها على ما سيحدث في الميزانية، وفي المؤسسات، وفي الخدمات التي تصل فعلياً إلى المواطنين خلال السنوات الخمس المقبلة.