لقجع يضع 350 مليار درهم على طاولة انتخابات 23 شتنبر: وعود اجتماعية كبيرة وتمويل بلا ضرائب إضافية

0
87

في أكادير، اختار فوزي لقجع أن يبدأ الحديث عن برنامج الأصالة والمعاصرة من الرقم الذي يصعب تجاوزه في أي نقاش انتخابي جدي: 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي ما يعادل 70 مليار درهم سنوياً. الرقم لا يتعلق بمشروع واحد ولا بقطاع منفرد، بل بحزمة واسعة من الالتزامات التي يقول الحزب إنه يريد تنفيذها بين 2026 و2031، من القدرة الشرائية والدخل والتقاعد إلى الصحة والتعليم والشباب وتقليص الفوارق المجالية.

لكن لقجع لم يترك الرقم قائماً وحده. فقد كان الجزء الأكثر حساسية في عرضه هو التأكيد على أن هذه الالتزامات لها، بحسب قوله، مصادر تمويل محددة سنة بسنة، وأن تنفيذها لن يمر عبر زيادة الضرائب المفروضة على المواطنين.

هذه النقطة هي التي تعطي للـ350 مليار درهم وزنه السياسي والمالي الحقيقي. فالبرنامج الانتخابي يستطيع أن يرفع سقف الوعود، لكن لحظة الاختبار تبدأ عندما يتحول الوعد إلى اعتمادات مالية وإجراءات حكومية. ولقجع، بحكم موقعه كوزير منتدب مكلف بالميزانية، يعرف أكثر من غيره أن الكلفة ليست رقماً يوضع في وثيقة انتخابية ثم ينتهي النقاش عنده.

يقول إن إعداد البرنامج بدأ من قراءة واقع المغرب والمغاربة في سنة 2026، ثم انتقل إلى تحديد الصورة التي يريد الحزب بلوغها سنة 2031. بالنسبة إليه، لا يمكن بناء تصور للمستقبل من دون تشخيص اقتصادي واجتماعي يعتبره واقعياً وصادقاً، لأن الخطأ في قراءة نقطة الانطلاق يؤدي إلى اختيارات خاطئة في الطريق.

في الجانب الاجتماعي، تبدو قائمة الالتزامات واسعة بما يكفي لتلامس شرائح مختلفة من المجتمع.

رفع الحد الأدنى لمعاشات المتقاعدين إلى 3000 درهم شهرياً يأتي ضمن المقترحات التي قدمها لقجع. وتأتي معه مراجعة شاملة للضريبة على الدخل، بهدف رفع مداخيل الأجراء، مع أرقام تحدثت عن زيادات قد تتراوح بين 1500 و4000 درهم شهرياً بحسب مستوى الدخل والوضعية.

هذه الأرقام تحتاج بطبيعتها إلى قراءة مرتبطة ببنية الضريبة على الدخل وبعدد المستفيدين وكلفة الإجراء على المالية العمومية، لكن الرسالة السياسية واضحة: الحزب يريد أن يجعل الدخل المباشر للأسرة إحدى واجهات برنامجه، لا أن يكتفي بإجراءات بعيدة الأثر أو بوعود عامة حول النمو.

وضع الأرامل جاء في الاتجاه نفسه. لقجع استعمل وضع الأسرة بعد وفاة ربها للدفاع عن معاش كامل للأرملة، منطلقاً من واقع بسيط: المصاريف لا تختفي بوفاة المعيل. الإجراء المقترح، إذا دخل مرحلة التنفيذ، يعني إعادة النظر في مستوى الحماية التي تحصل عليها الأسرة بعد فقدان أحد مصادر دخلها الرئيسية.

أما الأسعار، فالمقاربة التي عرضها لا تتوقف عند دعم القدرة الشرائية بالمال العمومي. فقد تحدث عن إعادة تنظيم مسالك توزيع المواد الأساسية وضبط العلاقة بين المنتج والمستهلك، مع ترك هامش ربح تجاري معقول والحد من الارتفاعات التي تنتج عن تعدد الوسطاء داخل سلاسل التوزيع.

وهذه واحدة من النقاط التي تربط بين السياسة الاجتماعية وطريقة اشتغال السوق. لأن ارتفاع الأسعار لا يعالج دائماً بزيادة الدخل أو بالدعم، وقد يكون جزء من المشكلة موجوداً في الطريق التي تقطعها السلعة قبل أن تصل إلى المستهلك.

الشباب يحتلون مساحة أخرى في البرنامج. لقجع تحدث عن تراكم ظروف اقتصادية واجتماعية قال إنها أفرزت مشاكل واسعة داخل هذه الفئة، وربط الحل بإعادة الشباب إلى دائرة الإنتاج وخلق القيمة المضافة، وإبعادهم عن الهامش الاقتصادي والاجتماعي.

العبارة تبدو واسعة، لكن خلفها ملف أثقل من أي شعار انتخابي: كيف يتحول الشباب من كتلة تبحث عن فرصة إلى قوة إنتاجية؟ وما القطاعات التي يفترض أن تستوعبهم؟ وما حجم الموارد المطلوبة لذلك؟ البرنامج، في عرضه بأكادير، قدم الاتجاه العام أكثر مما قدم التفاصيل التنفيذية لهذه الأسئلة.

في الصحة والتعليم، ارتفع سقف الطموح أيضاً. الهدف الذي تحدث عنه لقجع هو الوصول سنة 2031 إلى خدمات تستجيب لمتطلبات المواطنين في مختلف مناطق المملكة، مع تقليص الفوارق في مستوى الاستفادة من الخدمات الأساسية.

وهذا يتقاطع مع أحد الملفات التي أصبحت حاضرة في السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة: الفارق بين ما يحصل عليه المواطن في مركز حضري كبير وما تجده الأسر في مناطق أخرى، سواء تعلق الأمر بالصحة أو التعليم أو التجهيزات والخدمات.

لقجع ربط برنامج الحزب كذلك بالبرنامج الذي أطلقه الملك محمد السادس لتقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية أكثر توازناً. والفكرة التي صاغها في حديثه هي أن المغرب يحتاج إلى مسار لا تتحرك فيه المناطق والفئات بسرعات متباعدة، بل إلى تقارب أكبر في مستوى التنمية والخدمات.

لكن كل هذه الالتزامات تعود في النهاية إلى الرقم الأول: 350 مليار درهم.

سبعون مليار درهم في السنة ليست رقماً صغيراً عندما يتعلق الأمر ببرنامج انتخابي يمتد خمس سنوات. لذلك فإن القول بوجود مصادر تمويل محددة دون زيادة الضرائب على المواطنين هو الجزء الذي سيحتاج، أكثر من غيره، إلى أن يتحول من خطاب انتخابي إلى حسابات قابلة للفحص.

لقجع يقول إن مصادر التمويل حُددت سنة بسنة. ولم يقدم العرض، كما ورد، تفصيلاً كاملاً لكل مصدر وحجم مساهمته في تمويل كل التزام. لذلك تبقى الكلفة الإجمالية واضحة في الخطاب، بينما تظل التفاصيل الدقيقة للتمويل هي المساحة التي ستحدد مدى قابلية البرنامج للتنفيذ إذا انتقل الحزب من المعارضة أو المشاركة السياسية إلى موقع يتيح له تطبيق هذه الالتزامات.

وهذا لا يقلل من قيمة البرنامج، لكنه يضعه في مكانه الطبيعي: أمام الناخبين أولاً، وأمام الحسابات العمومية ثانياً.

لقجع اختار كلمة واحدة لتلخيص فلسفة البرنامج: «المعقول». وهي كلمة تحمل هنا معنى سياسياً مباشراً، لأنه قدم الأمر باعتباره تعاقداً مع المغاربة على إجراءات محددة، حتى يستطيع الناخبون لاحقاً محاسبة الحزب على ما أنجزه منها.

في نهاية اللقاء، لم يبق الكلام في مستوى الأرقام والسياسات. فقد دعا لقجع الحاضرين إلى الاقتناع بالبرنامج ونقله إلى المواطنين، وطالب بالتصويت بكثافة لمرشحي الأصالة والمعاصرة في اقتراع 23 شتنبر، حتى يحصل الحزب، بحسب تعبيره، على فرصة تنفيذ برنامجه ودفع مسار التنمية إلى الأمام.

الانتخابات ستختبر أكثر من قدرة «البام» على إقناع الناخبين. ستختبر أيضاً قدرة أي برنامج بهذا الحجم على الانتقال من جداول الكلفة إلى ميزانية الدولة، ومن الوعود المتعلقة بالدخل والأسعار والتقاعد إلى إجراءات يرى المواطن أثرها في حياته اليومية.

والـ350 مليار درهم، في نهاية المطاف، ليست هي القصة كلها. القصة ستبدأ فعلياً عندما يصبح مطلوباً تفسير كل مليار: من أين جاء، وأين سيذهب، ومتى سيظهر أثره، ومن سيدفع كلفته إذا لم تكن الضرائب الإضافية هي الطريق المختار.