وهبي بعد صدور قانون المحاماة: حين يتحول «الطلاق الرجالي» إلى عرض جديد للعلاقة مع المحامين

0
58

في المقابلة التي أجرتها معه القناة الثانية بعد نشر قانون المحاماة في الجريدة الرسمية، لم يتحدث عبد اللطيف وهبي بلغة الوزير الذي يخوض معركة تشريعية انتهت، بقدر ما تحدث بلغة سياسي يريد إغلاق فصل كامل وفتح فصل آخر بشروط مختلفة. القانون رقم 66.23 أصبح نافذاً بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7536 يوم 20 غشت، فيما كانت المحكمة الدستورية قد تعذر عليها البت في مطابقته للدستور بسبب عدم إرفاق الإحالة بالنص الذي أقره مجلس المستشارين في قراءته الثانية. وهبي يعرف أن هذه اللحظة حساسة: النص أصبح قانوناً، لكن شرعيته السياسية ما زالت محل نزاع، والاحتجاج المهني لم ينتهِ بمجرد صدوره.




لذلك يبدأ وهبي من النقطة الأكثر ملاءمة له سياسياً: مواقع التواصل الاجتماعي. فهو يقول إن كلاماً «غير صحيح» نُسب إليه وإن هذه الوسائط «زادت في الأزمة» بينه وبين المحامين. في الظاهر، يبدو الأمر دفاعاً عن صورته الشخصية. لكن وراء العبارة محاولة لفصل الرجل عن النزاع: هناك، وفق روايته، خلاف مهني وسياسي طبيعي، وهناك أيضاً روايات وشحن إعلامي ساهمت في تحويله إلى خصومة شخصية. وهذه النقلة مهمة، لأنها تسمح للوزير بإعادة تعريف المعركة: لا يريد أن تبقى مرتبطة بما قيل عنه أو بما قيل إنه قاله، بل بما ينبغي فعله بعد أن أصبح القانون أمراً واقعاً.

ثم تأتي العبارة الأكثر إثارة: «علاقتي بالمحامين ليست طلاقاً بيني، بل هو طلاق رجالي». العبارة ليست مجرد مزحة لغوية من وهبي المعروف بأسلوبه المباشر؛ إنها تلخص استراتيجية الخطاب كله. فالوزير يريد أن يقول إن الخصومة لم تصل إلى قطيعة مؤسساتية، وإن الخلاف يمكن أن ينتهي بمجرد انتهاء جلسات الترافع. لكن اختيار كلمة «طلاق» يكشف أيضاً أن العلاقة تعرضت فعلاً لصدع عميق، وأن المطلوب الآن ليس إنكار الخلاف بل تحويله إلى خلاف قابل للتجاوز. أما وصفه بـ«الرجالي»، فيؤدي وظيفة سياسية واضحة: إعادة الخلاف إلى مساحة الاعتراف المتبادل، حيث يتخاصم الطرفان بقوة ثم يلتقيان خارج لحظة الصراع من دون أن يحمل أحدهما خصومة شخصية إلى الأبد.

وهنا ينتقل وهبي من الماضي إلى ما يريد أن يكون عليه المستقبل. فبعد أن أعلن أن «هذه الخلافات أصبحت من الماضي»، يسارع إلى تعداد ملفات أخرى تهم المحامين، من أوضاعهم داخل المحاكم إلى التقاعد وغيرها. هذه ليست قائمة عابرة. الوزير يحاول نقل مركز الحوار من القانون الذي كان موضوع نزاع إلى المصالح اليومية للمهنة. بمعنى آخر، إذا كان القانون قد أغلق باب التفاوض حول النص، فهناك أبواب أخرى يمكن فتحها حول المهنة نفسها. وهكذا تصبح الرسالة: انتهى الصراع على القانون، فلنبدأ التفاوض حول كيفية اشتغال المهنة.

المصباح بعد صدور قانون المحاماة: من معركة النص إلى حسابات ما بعد الانتخابات

لكن وهبي لا يكتفي بالتمني. حين سئل عن احتمال استمرار الإضراب، أجاب بأنه لا يعتقد أنه سيستمر، لأن المحامين «رجال قانون» ويفهمون معنى نشر القانون والأمر بتنفيذه. هنا يمارس الوزير ضغطاً ناعماً لكنه شديد الوضوح. فهو لا يهدد، ولا يعلن إجراءات ضد المضربين، بل يستدعي الهوية المهنية للمحامي نفسها: رجل القانون يفترض أن يعرف أن القانون المنشور واجب النفاذ. الرسالة الضمنية أن استمرار الإضراب بعد هذه النقطة لم يعد، في نظره، معركة حول منع القانون من الدخول حيز التنفيذ، لأن تلك المعركة انتهت، وإنما أصبح اختباراً لمدى استعداد المهنة للتعامل مع واقع قانوني جديد.

غير أن وهبي يترك للمحامين مخرجاً قانونياً مهماً. فهو يقول إن القانون سيكون موضوع نقاش في الدعاوى التي ستأتي أمام المحاكم، وإن الطعون الدستورية تظل ممكنة، كما يلمح إلى أن وزيراً جديداً في الولاية المقبلة قد يجري تغييرات. هذه الجملة بالذات تكشف أن الوزير لا يقدم القانون باعتباره نصاً مغلقاً إلى الأبد. هو يميز بين «دخل حيز التنفيذ» و«استحال تغييره». الأول تحقق، أما الثاني فلم يتحقق. وهذه التفرقة تخدمه في الاتجاهين: فهي تؤكد سلطة القانون الآن، لكنها تترك للمستقبل مساحة للمراجعة عبر القضاء أو التشريع.

واللافت أن وهبي، وهو يدافع عن منطق الحكومة، يعترف في الوقت نفسه بإمكان مجيء وزير آخر وتغيير بعض المقتضيات. كأنه يقول للمحامين: أنا دافعت عن النص إلى النهاية، وانتهت مهمتي في هذه المعركة؛ أما ما بعد ذلك فهو شأن المؤسسات والولاية السياسية المقبلة. في هذه النقطة تحديداً، يتحول الخطاب من دفاع عن قانون بعينه إلى دفاع عن مبدأ تداول المسؤولية داخل الدولة. الوزير لا يريد أن يبقى أسيراً للنص الذي دافع عنه، ولا يريد أن يتحول خلافه مع المحامين إلى خصومة شخصية تستمر معه بعد انتهاء ولايته.

ثم يستعيد وهبي هويته القديمة كمحامٍ، ويستخدمها لبناء جسر نفسي مع خصومه. يشبه ما جرى بما يحدث داخل قاعات المحاكم: محامون يتصارعون في المرافعات ثم يلتقون بعد الجلسة ويتجاوزون خلافاتهم. الصورة التي يقدمها ليست بريئة؛ فهو يحاول إعادة النزاع إلى قواعد المهنة نفسها. لقد كان المحامون، بحسب روايته، يدافعون عن مهنتهم، وهو كان يدافع عن «منطق الحكومة ومنطق الدولة». كلاهما كان يؤدي دوره، وبالتالي لا ينبغي أن تتحول المواجهة المهنية إلى قطيعة دائمة.

لكن العبارة الأهم تأتي في النهاية: «المحاماة مؤسسة من مؤسسات الدولة». هنا يضع وهبي الإطار الذي ينبغي أن تُقرأ داخله كل تصريحاته السابقة. هو لا يتعامل مع المحاماة كجسم مهني مستقل يتفاوض مع السلطة من الند إلى الند فقط، بل يضعها داخل بنية الدولة ومؤسساتها، باعتبارها جزءاً أساسياً من ضمان المحاكمة العادلة. وهذا التصور يفسر جانباً من الخلاف: الوزير ينظر إلى إصلاح المهنة من زاوية الدولة والعدالة والمؤسسات، بينما يرى قطاع من المحامين أن استقلال المهنة شرط لحماية المواطن من تغول أي مؤسسة، بما فيها الدولة نفسها.

لذلك فإن عرضه «الانفتاح على أي حوار» لا يعني العودة إلى نقطة الصفر. وهبي يعلن أن الحوار ممكن، لكن بعد أن أصبح القانون نافذاً، وبعد أن انتقل الخلاف من مشروع قانون إلى مهنة ينبغي تطويرها. إنه يعرض على المحامين صيغة جديدة للعلاقة: القانون أصبح واقعاً، أما التفاصيل المهنية والإصلاحات المستقبلية فتبقى قابلة للنقاش. وهذه، في العمق، محاولة لإنهاء الحرب من دون إعلان أن أحد الطرفين انتصر.

وهنا تكمن الرسالة السياسية الأوسع للتصريح: وهبي لا يطلب من المحامين أن يقتنعوا بأنهم كانوا مخطئين؛ يطلب منهم أن يتصرفوا كما لو أن المعركة انتهت. وفي المقابل، لا يتعهد بأن القانون غير قابل للمراجعة؛ يترك باب القضاء والتشريع والولاية الحكومية المقبلة مفتوحاً. إنه ترتيب جديد للصراع: الحكومة احتفظت بالقانون، والمحامون يحتفظون بحق الاعتراض، والوزير يريد أن تتحول الخصومة من مواجهة حول النص إلى شراكة في تدبير ما بعد النص.

وفي هذا المعنى، فإن «الطلاق الرجالي» ليس مجرد تعبير طريف. إنه ربما أفضل مفتاح لفهم خطاب وهبي كله: طلاق بلا قطيعة، خصومة بلا عداوة، وقانون صدر وانتهت معركته التشريعية، لكن العلاقة مع المحامين لم تُغلق ملفاتها بعد. فالوزير يريد أن يطوي صفحة المعركة، لا أن يطوي الكتاب كله.