بعد المحامين… العدول يفتحون جبهة جديدة في وجه وهبي ويُلوّحون بتعطيل مصالح المواطنين

0
95
صورة: موقع مجلس النواب

لم تكد سحب التوتر التي خيّمت على علاقة وزارة العدل بهيئة المحامين تتبدد، حتى بدأ خيط شدّ جديد يلتف حول قطاع العدالة، وهذه المرة بين العدول ووزير العدل عبد اللطيف وهبي. المشهد يتكرّر لكن بوجوه مختلفة: مشروع قانون جديد، فئة مهنية تعتبر نفسها غير مُنصَت إليها، وحكومة تجد نفسها أمام اختبار إضافي في تدبير الإصلاحات داخل قطاع حساس.

الهيئة الوطنية للعدول أعلنت استعدادها لخوض توقف مهني يمتد أسبوعا كاملا، من الثاني إلى العاشر من مارس المقبل، احتجاجا على مشروع القانون رقم 16.22 المنظم للمهنة، المعروض على أنظار مجلس المستشارين. قرار التوقف لا يُقرأ فقط كخطوة مطلبية، بل كرسالة سياسية واضحة: لا إصلاح بدون إشراك فعلي. فالعدول يرون أن ملاحظاتهم الجوهرية لم تجد طريقها إلى الصيغة الحالية للنص، وأن تمريره دون تعديل سيكرّس اختلالات بدل أن يعالجها.

في المقابل، يتمسك وزير العدل بكون المشروع يحمل مستجدات نوعية، أبرزها تنزيل القرار الملكي الصادر بناء على فتوى المجلس العلمي الأعلى، والذي يفتح الباب أمام ممارسة المرأة لمهنة العدالة. وهنا تتداخل الأبعاد القانونية بالرمزية: الحكومة تقدّم المشروع كاستجابة لتوجيه سيادي وتحديث تشريعي، بينما يصرّ جزء من المهنيين على أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بمسألة الولوج، بل ببنية المهنة، وصلاحياتها، وتموقعها داخل المنظومة التوثيقية.

غير أن خلف هذا السجال المعلن، تختبئ أسئلة أعمق. فالمهنة، التي تُعد ركنا أساسيا في النظام التوثيقي القضائي، تضطلع بدور حيوي في توثيق العقود والمعاملات، من بيع وشراء وتوثيق حقوق عينية وأسرية. أي توقف جماعي عن العمل لا يعني مجرد خلاف مهني، بل يعني عمليا تعطيل مصالح آلاف المواطنين يوميا. هنا يتحول الخلاف من نقاش تقني حول مواد قانونية إلى معادلة دقيقة بين الحق في الاحتجاج وضمان استمرارية المرفق العام.

سياسيا، يعكس التصعيد ما وصفه بعض الباحثين بمنطق “الفيتو القطاعي”، حيث تلجأ فئات منظمة قانونا إلى استخدام موقعها داخل بنية الدولة كورقة ضغط لإعادة التفاوض حول موازين القوى. فحين تشعر هيئة مهنية بأن مسار التشريع تمّ بشكل شكلي دون استيعاب مذكراتها، فإنها تنتقل من فضاء الحوار المؤسساتي إلى فضاء الضغط الميداني. والنتيجة أن الحكومة تجد نفسها أمام معادلة مزدوجة: حماية هيبتها التشريعية من جهة، وتفادي شلل إداري ينعكس سلبا على المواطنين من جهة أخرى.

التوتر الحالي يطرح أيضا سؤال المنهجية. هل تكمن المشكلة في مضمون القوانين فقط، أم في طريقة إعدادها والتشاور حولها؟ تكرار حالات الرفض الحاد لمشاريع قوانين تمس مهن العدالة يوحي بوجود خلل في جسور الثقة بين الوزارة الوصية والهيئات الوسيطة. فحتى وإن استوفت النصوص مسارها الدستوري داخل البرلمان، فإن الشرعية الشكلية لا تكفي وحدها لامتصاص الغضب المهني إذا غاب الإحساس بالشراكة في الصياغة.

المفارقة أن السلطة التنفيذية، في سعيها إلى تقنين أشكال الاحتجاج وضبطها، تجد نفسها أمام فئات أكثر وعيا بأدوات الضغط وأكثر استعدادا لاستخدامها. وهكذا يتحول كل مشروع قانون إلى اختبار سياسي، لا فقط من حيث مضمونه، بل من حيث قدرته على الصمود أمام ميزان القوى القطاعي.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بصراع شخصي بين العدول ووزير العدل، بل بلحظة مفصلية في مسار إصلاح منظومة العدالة. فإما أن يتحول النقاش داخل مجلس المستشارين إلى فرصة حقيقية لتجويد النص واستعادة الثقة، أو يتعمق الشرخ بما يعزز صورة إصلاحات تُفرض من أعلى دون احتضان مهني كافٍ. وبين هذين الاحتمالين، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، ينتظر أن تُفك عقدة التوتر دون أن تُشدّ أكثر على مصالحه اليومية.