في الظاهر، قد يبدو الأمر مجرد مشاركة عادية للفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين في أشغال الدورة الخامسة والأربعين للجمعية العامة السنوية لبنك التنمية “شيلتر إفريقيا”. غير أن القراءة المتأنية لما جرى على هامش هذا الموعد القاري المنعقد بالمغرب ما بين 9 و11 يونيو 2026 تكشف أن القضية تتجاوز حدود الحضور البروتوكولي إلى ما يشبه بداية تشكل معادلة جديدة في العلاقة بين الفاعل المهني المغربي والمؤسسات المالية الإفريقية الباحثة عن نماذج ناجحة في التنمية العمرانية والإسكان.
فحين يوجه بنك التنمية “شيلتر إفريقيا” دعوة للفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين للحضور بصفة ملاحظ رسمي، ويخصص لها فضاء ضمن المعرض الموازي للجمعية العامة، فإن الرسالة لا تبدو تقنية أو تنظيمية فقط، بل تحمل دلالة أعمق تتعلق بمكانة التجربة المغربية داخل النقاش الإفريقي المتزايد حول أزمة السكن والتمويل الحضري والتنمية المجالية. فالقارة الإفريقية تواجه اليوم واحدة من أكبر التحديات الديمغرافية في العالم، إذ تشير تقديرات العديد من المؤسسات الدولية إلى أن المدن الإفريقية تستقبل ملايين السكان الجدد سنوياً، ما يفرض ضغوطاً هائلة على البنية التحتية والسكن والخدمات الأساسية.
في هذا السياق، لم تعد قضية الإسكان مجرد ملف اجتماعي، بل تحولت إلى رهان اقتصادي واستراتيجي وأمني في الوقت نفسه. فالعجز السكني الذي تعاني منه العديد من الدول الإفريقية لا ينعكس فقط على جودة الحياة، بل يفتح الباب أيضاً أمام توسع السكن غير اللائق، واتساع الهوة الاجتماعية، وتعقيد مسارات الاستثمار والتنمية. ومن هنا تكتسب المؤسسات المتخصصة في التمويل العقاري والتنمية الحضرية أهمية متزايدة باعتبارها أدوات لإعادة تشكيل المدن الإفريقية المستقبلية.
المغرب، الذي راكم خلال العقود الأخيرة تجربة مهمة في مجالات السكن الاجتماعي، ومحاربة دور الصفيح، وإعادة هيكلة الأحياء ناقصة التجهيز، أصبح يُنظر إليه داخل القارة باعتباره مختبراً عملياً للسياسات العمرانية. صحيح أن التجربة المغربية ليست خالية من التحديات والانتقادات، إلا أنها قدمت نماذج ميدانية سمحت ببناء خبرة مؤسساتية وتقنية تستقطب اهتمام العديد من الدول الإفريقية التي تبحث عن حلول قابلة للتطبيق بعيداً عن النماذج النظرية المستوردة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب أهمية خاصة تلك الجلسة المنفردة التي طلبها المدير العام لبنك التنمية شيلتر إفريقيا، السيد ثيرنو حبيب هان، مع قيادة الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين. فالاجتماعات الخاصة داخل مثل هذه التظاهرات القارية غالباً ما تكون أكثر أهمية من الجلسات العامة، لأنها تشكل الفضاء الحقيقي الذي تُبنى داخله الشراكات وتُرسم فيه ملامح المشاريع المستقبلية.
الوفد المغربي الذي ضم رئيس الفيدرالية توفيق كامل، ونائبي الرئيس أنيس بنجلون وأمين نقطة، إلى جانب عدد من المسؤولين التنفيذيين والقانونيين، لم يناقش فقط آليات التعاون التقليدي، بل فتح نقاشاً حول ثلاثة محاور استراتيجية تكشف طبيعة المرحلة المقبلة. أول هذه المحاور يتعلق بتقاسم الخبرة المغربية في مجال التطوير العقاري والتنظيم المهني، وهو مؤشر على أن المعرفة أصبحت اليوم رأسمالاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن التمويل نفسه. أما المحور الثاني فيرتبط بتحديد فرص الاستثمار داخل القارة الإفريقية، وهو ما يعكس انتقال التفكير من منطق السوق الوطنية إلى منطق الفضاء الإفريقي الأوسع. فيما يهم المحور الثالث تنمية الكفاءات عبر الأكاديميات التابعة للمؤسستين، في إشارة إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في بناء الإسمنت، بل في بناء الإنسان القادر على إدارة التحولات العمرانية المقبلة.
هذه النقطة الأخيرة تستحق التوقف عندها كثيراً. فالقارة الإفريقية لا تعاني فقط من نقص التمويل، بل من فجوة متزايدة في الكفاءات المتخصصة في مجالات التخطيط الحضري والهندسة العقارية والتمويل العمراني وإدارة المشاريع الكبرى. ولذلك فإن أي شراكة تركز على نقل المعرفة والتكوين المستمر تبدو أكثر استدامة من الشراكات القائمة على التمويل وحده.
كما أن الحديث عن مشاريع استثمارية إفريقية مشتركة ينسجم مع التحول الكبير الذي تشهده الدبلوماسية الاقتصادية المغربية خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تكتفي بمنطق العلاقات السياسية التقليدية، بل أصبحت تعتمد مقاربة تقوم على بناء شبكات اقتصادية ومهنية ومؤسساتية عابرة للحدود، بما يجعل من القطاع الخاص شريكاً أساسياً في تعزيز الحضور المغربي داخل القارة.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما يمكن أن تستفيده الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين من هذه الشراكة، بل بما يمكن أن تستفيده إفريقيا نفسها من إدماج الفاعلين المهنيين في صياغة الحلول التنموية. فالتجارب الدولية أثبتت أن معالجة أزمة السكن لا يمكن أن تنجح عبر تدخل الدولة وحدها أو عبر التمويل الدولي وحده، وإنما من خلال بناء منظومات متكاملة تجمع بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والهيئات المهنية ومؤسسات التمويل.
ومن هنا يمكن فهم هذا التقارب المتزايد بين بنك التنمية شيلتر إفريقيا والفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين باعتباره جزءاً من نقاش أكبر يتعلق بمستقبل المدينة الإفريقية نفسها. أي مدينة تريدها القارة خلال العقود القادمة؟ وهل تستطيع إفريقيا أن تبتكر نموذجها العمراني الخاص بها، أم أنها ستظل تستنسخ نماذج لا تنسجم دائماً مع واقعها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي؟
إن ما جرى في الرباط لا يبدو مجرد لقاء مؤسساتي عابر أو صورة تذكارية على هامش جمعية عامة. إنه مؤشر على تحولات أعمق تشهدها القارة، حيث بدأت الخبرة الإفريقية تبحث عن شريك إفريقي، وأصبح تطوير المدن والسكن جزءاً من معركة التنمية والسيادة الاقتصادية. وبينما تتسارع التحولات الديمغرافية والحضرية في إفريقيا، يظل السؤال مفتوحاً: هل تكون هذه الشراكات المهنية والمالية بداية لولادة عقد عمراني إفريقي جديد، تُكتب بعض فصوله الأولى من المغرب نحو القارة بأكملها؟