حين تتحول صفقات الصحة إلى سؤال عن روح المرفق العمومي: من يربح الإصلاح ومن يخسره؟

0
119

حين تتحول أسئلة الإصلاح الصحي إلى أسئلة ثقة: لماذا تثير «مناولة» الخدمات العلاجية قلق المهنيين والنقابات؟

في الوقت الذي تراهن فيه الدولة المغربية على إنجاح واحد من أكبر الأوراش الاجتماعية في تاريخها المعاصر، والمتمثل في تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة بناء المنظومة الصحية الوطنية، يعود إلى الواجهة سؤال يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه أبعاداً سياسية واجتماعية ومهنية شديدة الحساسية: من سيقدم الخدمة الصحية العمومية للمواطن؟ وهل يمكن أن تتحول بعض الوظائف الصحية الأساسية إلى خدمات تُفوض لشركات خاصة دون أن يمس ذلك جوهر المرفق العمومي؟

هذا السؤال هو ما يطفو بقوة من خلال البلاغ الأخير للنقابة المستقلة لقطاعات الصحة، والذي لم يقتصر على تسجيل ملاحظات مهنية أو مطالب فئوية، بل حمل في ثناياه تخوفاً أعمق يتعلق بالمسار الذي يسلكه الإصلاح الصحي نفسه. فبينما تتحدث الدولة عن بناء منظومة صحية أكثر نجاعة وإنصافاً وقدرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، تتساءل النقابة عما إذا كانت بعض الاختيارات التدبيرية الحالية تنسجم فعلاً مع هذه الأهداف أم أنها قد تقود، من حيث لا يُراد أو ربما من حيث يُراد، إلى إعادة تعريف الوظيفة الصحية العمومية بشكل جذري.

القضية التي أثارتها النقابة تتجاوز مجرد الاعتراض على صفقات المناولة. فالموضوع يتعلق بطبيعة الخدمات التي يجري الحديث عن تفويتها. إذ عندما يتعلق الأمر بخدمات الحراسة أو النظافة أو الصيانة، فإن النقاش يظل في حدود التدبير الإداري المعتاد الذي تعرفه مؤسسات كثيرة داخل المغرب وخارجه. أما عندما يمتد الحديث إلى الاستشارات الطبية أو الأعمال التمريضية أو تدبير ملفات المرضى ومعطياتهم الشخصية، فإن الأمر ينتقل من دائرة التدبير إلى دائرة الهوية الوظيفية للمؤسسة الصحية نفسها.

هنا تحديداً يبدأ القلق الذي عبر عنه المهنيون. لأن المستشفى العمومي لم يُبن تاريخياً ليكون مجرد فضاء يحتضن خدمات تقدمها جهات متعددة ومتفرقة، بل ليكون مؤسسة متكاملة تتحمل مسؤولية العلاج والمتابعة والحماية القانونية والأخلاقية للمريض. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل المناولة أقل أو أكثر كلفة؟ بل: هل يمكن نقل المسؤولية الصحية والأخلاقية المرتبطة بالعلاج إلى فاعلين خارجيين دون خلق مناطق رمادية في المحاسبة والمسؤولية؟

ومن زاوية أخرى، تفتح هذه النقاشات ملفاً حساساً يتعلق بحماية المعطيات الشخصية. فالمغرب قطع خلال السنوات الأخيرة أشواطاً مهمة في بناء منظومة قانونية لحماية البيانات والمعطيات ذات الطابع الشخصي، خصوصاً تلك المرتبطة بالصحة التي تعد من أكثر المعطيات حساسية. وعندما تنتقل بعض العمليات المرتبطة بالملفات الطبية إلى متدخلين خارجيين، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى جاهزية آليات المراقبة والضمانات القانونية الكفيلة بحماية خصوصية المرضى ومنع أي استعمال غير مشروع لهذه المعطيات.

غير أن البعد القانوني ليس سوى جزء من الصورة. فخلف النقاش الإداري يوجد أيضاً بعد اقتصادي لا يقل أهمية. إذ تشير النقابة إلى مفارقة تعتبرها جديرة بالتدقيق والافتحاص، تتمثل في كون بعض صفقات المناولة قد تكلف ميزانيات تفوق أحياناً ما يمكن أن تتحمله المؤسسة نفسها لو قامت بتوفير الموارد البشرية اللازمة بشكل مباشر. وهنا يبرز نقاش قديم يتكرر في العديد من القطاعات العمومية عبر العالم: هل تحقق المناولة فعلاً النجاعة الاقتصادية التي تُبرر اللجوء إليها؟ أم أنها تتحول أحياناً إلى آلية مكلفة مالياً واجتماعياً عندما لا تكون محكومة بضوابط دقيقة ومؤشرات واضحة للنجاعة؟

لكن ربما أكثر ما يكشفه البلاغ هو وجود أزمة ثقة كامنة داخل القطاع. فالمهني الصحي الذي أمضى سنوات في التكوين والتأهيل ينتظر بطبيعة الحال أن يكون جزءاً من مشروع الإصلاح لا مجرد متفرج عليه. وعندما يشعر بأن بعض المهام التي يعتبرها جزءاً من هويته المهنية يمكن أن تنتقل إلى جهات أخرى، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمصدر دخل أو منصب عمل، بل أيضاً بالشعور بالاعتراف والاعتبار المهني. لذلك فإن الأثر النفسي الذي تحدثت عنه النقابة ليس تفصيلاً ثانوياً، لأن جودة الخدمات الصحية ترتبط بشكل وثيق بدرجة اندماج وتحفيز الموارد البشرية التي تشكل العمود الفقري لأي إصلاح.

ومن هنا يبدو أن النقاش الحقيقي لا يدور حول المناولة فقط، بل حول فلسفة الإصلاح برمتها. فهل يقوم الإصلاح على الاستثمار في العنصر البشري العمومي عبر التوظيف والتكوين والتأهيل والاستقرار المهني؟ أم يقوم على توسيع هامش التدبير الخارجي والاعتماد المتزايد على فاعلين من خارج المؤسسة؟ وبين هذين التصورين تتحرك اليوم الكثير من الأسئلة التي لم تجد بعد أجوبة نهائية داخل القطاع الصحي.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع اقتراب تعميم تجربة المجموعات الصحية الترابية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للهندسة الجديدة للمنظومة الصحية المغربية. فنجاح هذا الورش لن يقاس فقط بإنشاء هياكل جديدة أو إصدار نصوص تنظيمية، وإنما بمدى قدرته على خلق توازن دقيق بين متطلبات النجاعة التدبيرية من جهة، والحفاظ على الحقوق المهنية والاستقرار الوظيفي من جهة ثانية. ذلك أن الإصلاحات الكبرى غالباً ما تتعثر ليس بسبب نقص الرؤية، بل بسبب ضعف الثقة بين الفاعلين المعنيين بتنزيلها.

كما أن البلاغ يعيد إلى الواجهة ملفاً آخر لا يقل حساسية، يتعلق بالخصاص البنيوي في الموارد البشرية الصحية. فالمغرب، رغم الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة، ما زال يواجه تحديات مرتبطة بعدد الأطباء والممرضين ومهنيي الصحة مقارنة بالحاجيات المتزايدة للسكان. ومن هذا المنطلق، ترى النقابة أن الأولوية يجب أن تُمنح لاستقطاب الكفاءات وتثبيتها وتحسين ظروف عملها بدل البحث عن حلول قد تبدو سريعة على المدى القصير لكنها لا تعالج جذور المشكلة على المدى البعيد.

وفي خلفية كل هذه النقاشات يقف مشروع الدولة الاجتماعية باعتباره الإطار المرجعي الأكبر. فنجاح الحماية الاجتماعية لا يقاس فقط بعدد المستفيدين من التغطية الصحية، بل أيضاً بجودة الخدمات التي يتلقونها عندما يلجون المستشفيات والمراكز الصحية. فالمواطن لا يبحث عن بطاقة تغطية صحية فقط، بل يبحث عن طبيب حاضر، وممرض متوفر، وموعد معقول، وعلاج كريم، وإحساس بأن الدولة قادرة على الوفاء بوعدها في الرعاية الصحية.

لهذا تبدو الرسالة الأساسية التي يبعث بها هذا البلاغ أبعد من حدود الملف النقابي المباشر. إنها رسالة تدعو إلى جعل الحكامة الصحية موضوعاً للنقاش العمومي الهادئ والمسؤول، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وبعيداً أيضاً عن اختزال الإصلاح في أرقام أو هياكل تنظيمية. لأن الرهان الحقيقي ليس مجرد تغيير طريقة تدبير المؤسسات الصحية، بل بناء علاقة ثقة جديدة بين الدولة ومهنيي الصحة والمواطنين.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت المناولة جيدة أم سيئة، أو ما إذا كانت بعض الصفقات قانونية أو غير قانونية. السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن للمغرب أن يبني منظومة صحية حديثة وفعالة دون أن يفقد في الطريق روح المرفق العمومي التي تجعل الصحة حقاً للمواطن لا مجرد خدمة تُدبر بمنطق السوق؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد مستقبل الإصلاح، وهو أيضاً السؤال الذي سيبقى مطروحاً حتى بعد انتهاء كل البلاغات والاجتماعات والحوارات القطاعية.