الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين وشيلتر إفريقيا: هل يكتب المغرب من الرباط العقد العمراني الجديد للقارة الإفريقية؟

0
117

بين الإسمنت والتنمية… لماذا تتحول الرباط إلى عاصمة إفريقية لصناعة المستقبل العمراني؟

لم يكن انعقاد الدورة الخامسة والأربعين للجمعية العامة السنوية لمؤسسة “شيلتر إفريقيا” بالعاصمة المغربية الرباط حدثاً تقنياً عادياً يخص قطاع الإسكان أو التمويل العقاري فقط، بل شكل لحظة سياسية واقتصادية واستراتيجية تحمل دلالات أعمق ترتبط بمكانة المملكة المغربية داخل القارة الإفريقية، وبالدور الذي أصبحت تلعبه في صياغة أجندة التنمية الحضرية الإفريقية خلال العقود المقبلة. فحين يجتمع وزراء وخبراء ومؤسسات مالية دولية ومهنيون من مختلف دول القارة لمناقشة مستقبل المدن الإفريقية وتمويل السكن المستدام، فإن الأمر يتجاوز حدود البناء والعقار ليصل إلى جوهر السؤال التنموي الإفريقي: كيف يمكن للقارة أن تستوعب ملايين السكان الجدد دون أن تتحول مدنها إلى بؤر للهشاشة والفقر والاختلالات الاجتماعية؟

في هذا السياق، واصلت الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين بالمغرب مشاركتها الفاعلة في أشغال الجمعية العامة، من خلال حضورها مختلف الجلسات والنقاشات التي تناولت قضايا التمويل المستدام للسكن، ومعايير الجودة الحضرية، وآليات تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. غير أن أهمية هذه المشاركة لا تكمن فقط في الحضور المؤسساتي، بل في الرسالة التي تحملها حول تجربة مغربية راكمت خلال السنوات الماضية خبرة معتبرة في مجالات التعمير والإسكان الاجتماعي وإعادة هيكلة الأحياء الناقصة التجهيز وتطوير البنيات التحتية الحضرية.

لقد أصبحت المدن الإفريقية اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة. فالتقارير الدولية تشير إلى أن إفريقيا تعد أسرع قارات العالم نمواً من حيث التوسع الحضري، حيث ينتقل ملايين الأشخاص سنوياً من القرى والمناطق الهامشية نحو المراكز الحضرية بحثاً عن فرص العمل والخدمات الأساسية. لكن هذا التحول السريع يفرض ضغوطاً هائلة على الحكومات والسلطات المحلية، سواء من حيث توفير السكن اللائق أو شبكات النقل أو الماء والكهرباء أو الخدمات الصحية والتعليمية. ومن هنا جاءت أهمية النقاشات التي احتضنتها الرباط، لأنها وضعت في قلب الاهتمام سؤال التمويل: من سيمول المدن الإفريقية الجديدة؟ وكيف يمكن بناء أحياء مستدامة دون إثقال كاهل الدول بالديون أو ترك المواطنين رهائن لارتفاع أسعار العقار؟

وخلال الطاولة الوزارية المستديرة التي شكلت أبرز محطات اليوم الثاني من الأشغال، برزت قناعة مشتركة لدى المتدخلين مفادها أن التنمية الحضرية لم تعد مجرد مسؤولية حكومية منفردة، بل أصبحت رهينة بقدرة مختلف الفاعلين على بناء منظومات تعاون متكاملة تجمع الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والسلطات المحلية. فالمشاريع الحضرية الكبرى لا تحتاج فقط إلى الأموال، بل إلى رؤية استراتيجية تضمن استدامتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

ومن هنا تبرز أهمية النموذج المغربي الذي استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يطور مقاربة تقوم على إشراك القطاع الخاص في إنجاز مشاريع السكن والبنيات التحتية، مع المحافظة على دور الدولة كمنظم وضامن للتوازنات الاجتماعية. هذا النموذج، رغم التحديات التي ما زالت تواجهه، أصبح يحظى باهتمام متزايد داخل إفريقيا، خاصة في ظل البحث عن تجارب ناجحة يمكن الاستفادة منها في مواجهة أزمة السكن التي تعاني منها العديد من الدول الإفريقية.

لكن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط ببناء المنازل، بل ببناء المدن. فالمدن الحديثة لم تعد تقاس بعدد العمارات أو الطرقات التي تشيد فيها، وإنما بقدرتها على إنتاج جودة الحياة. مدينة بلا فضاءات خضراء، ولا نقل مستدام، ولا خدمات عمومية فعالة، قد تتحول إلى تجمع عمراني ضخم لكنه يفتقر إلى روح المدينة. ولذلك ركزت المداخلات والنقاشات على مفهوم “المدينة الشاملة” التي تتيح فرص العيش الكريم لجميع الفئات الاجتماعية، وتحافظ في الوقت نفسه على التوازنات البيئية في مواجهة التغيرات المناخية المتسارعة.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة للمغرب الذي جعل من التنمية الحضرية أحد محاور سياساته العمومية خلال العقود الأخيرة. فالمملكة لا تسعى فقط إلى تطوير مدنها، بل إلى تقديم نفسها كشريك إفريقي قادر على نقل الخبرات وتبادل التجارب والمساهمة في صياغة حلول عملية لمعضلات القارة. وهذا ما يفسر احتضان الرباط لهذا الموعد الإفريقي الكبير، الذي يعكس الثقة المتزايدة في قدرة المغرب على لعب دور منصة للحوار والتفكير الاستراتيجي حول القضايا التنموية الكبرى.

كما أن مشاركة الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين تحمل بعداً اقتصادياً مهماً، لأن القطاع العقاري لم يعد مجرد قطاع إنتاجي مرتبط بالبناء، بل أصبح رافعة للتشغيل والاستثمار وتحريك عشرات الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به. وعندما يتم الحديث عن السكن المستدام، فإن الأمر يتعلق أيضاً بصناعة جديدة تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا والنجاعة الطاقية والمواد الصديقة للبيئة، وهي مجالات تفتح آفاقاً واسعة أمام المقاولات المغربية والإفريقية على حد سواء.

غير أن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه اللقاءات لا يتعلق فقط بمستقبل العقار أو التمويل، بل بمستقبل الإنسان الإفريقي نفسه. فهل ستنجح القارة في بناء مدن تستوعب طموحات أجيالها الجديدة؟ وهل ستتمكن من تحويل التوسع الحضري إلى فرصة للتنمية بدل أن يصبح مصدراً جديداً للفوارق الاجتماعية والتوترات الاقتصادية؟ وهل تستطيع الدول الإفريقية أن تخلق نموذجاً عمرانياً خاصاً بها، يختلف عن النماذج المستوردة التي أثبتت محدوديتها في كثير من الأحيان؟

إن ما جرى في الرباط خلال هذه الأيام يتجاوز حدود مؤتمر مهني أو لقاء تقني. إنه جزء من معركة أكبر تخوضها إفريقيا من أجل رسم ملامح مستقبلها الحضري والاقتصادي. وفي قلب هذه المعركة يبرز المغرب باعتباره فاعلاً يسعى إلى أن يكون شريكاً في إنتاج الحلول لا مجرد متابع للتحولات. ولذلك فإن أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في القرارات أو التوصيات التي ستصدر عنه، بل في الرسالة التي يبعثها إلى القارة بأكملها: أن مستقبل إفريقيا لن يبنى فقط بالسياسات والخطب، بل ببناء مدن قادرة على احتضان الإنسان الإفريقي ومنحه الحق في السكن والكرامة والأمل.