بين الإسمنت والتنمية… لماذا تتحول الرباط إلى عاصمة إفريقية لصناعة المستقبل العمراني؟
لم يكن انعقاد الدورة الخامسة والأربعين للجمعية العامة السنوية لمؤسسة “شيلتر إفريقيا” بالعاصمة المغربية الرباط حدثاً تقنياً عادياً يخص قطاع الإسكان أو التمويل العقاري فقط، بل شكل لحظة سياسية واقتصادية واستراتيجية تحمل دلالات أعمق ترتبط بمكانة المملكة المغربية داخل القارة الإفريقية، وبالدور الذي أصبحت تلعبه في صياغة أجندة التنمية الحضرية الإفريقية خلال العقود المقبلة. فحين يجتمع وزراء وخبراء ومؤسسات مالية دولية ومهنيون من مختلف دول القارة لمناقشة مستقبل المدن الإفريقية وتمويل السكن المستدام، فإن الأمر يتجاوز حدود البناء والعقار ليصل إلى جوهر السؤال التنموي الإفريقي: كيف يمكن للقارة أن تستوعب ملايين السكان الجدد دون أن تتحول مدنها إلى بؤر للهشاشة والفقر والاختلالات الاجتماعية؟
في هذا السياق، واصلت الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين بالمغرب مشاركتها الفاعلة في أشغال الجمعية العامة، من خلال حضورها مختلف الجلسات والنقاشات التي تناولت قضايا التمويل المستدام للسكن، ومعايير الجودة الحضرية، وآليات تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. غير أن أهمية هذه المشاركة لا تكمن فقط في الحضور المؤسساتي، بل في الرسالة التي تحملها حول تجربة مغربية راكمت خلال السنوات الماضية خبرة معتبرة في مجالات التعمير والإسكان الاجتماعي وإعادة هيكلة الأحياء الناقصة التجهيز وتطوير البنيات التحتية الحضرية.

لقد أصبحت المدن الإفريقية اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة. فالتقارير الدولية تشير إلى أن إفريقيا تعد أسرع قارات العالم نمواً من حيث التوسع الحضري، حيث ينتقل ملايين الأشخاص سنوياً من القرى والمناطق الهامشية نحو المراكز الحضرية بحثاً عن فرص العمل والخدمات الأساسية. لكن هذا التحول السريع يفرض ضغوطاً هائلة على الحكومات والسلطات المحلية، سواء من حيث توفير السكن اللائق أو شبكات النقل أو الماء والكهرباء أو الخدمات الصحية والتعليمية. ومن هنا جاءت أهمية النقاشات التي احتضنتها الرباط، لأنها وضعت في قلب الاهتمام سؤال التمويل: من سيمول المدن الإفريقية الجديدة؟ وكيف يمكن بناء أحياء مستدامة دون إثقال كاهل الدول بالديون أو ترك المواطنين رهائن لارتفاع أسعار العقار؟
وخلال الطاولة الوزارية المستديرة التي شكلت أبرز محطات اليوم الثاني من الأشغال، برزت قناعة مشتركة لدى المتدخلين مفادها أن التنمية الحضرية لم تعد مجرد مسؤولية حكومية منفردة، بل أصبحت رهينة بقدرة مختلف الفاعلين على بناء منظومات تعاون متكاملة تجمع الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والسلطات المحلية. فالمشاريع الحضرية الكبرى لا تحتاج فقط إلى الأموال، بل إلى رؤية استراتيجية تضمن استدامتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.



