خردة قطارات بـ2.9 مليار دولار نحو مونديال 2030: تحديث السكك الحديدية أم تسريع الزمن بأي ثمن؟

0
114

حين يقف مسافر مغربي على رصيف محطة قطار وينتظر وصول عربته، فإن آخر ما يخطر بباله هو أن الرحلة التي سيستقلها ربما بدأت قصتها قبل عقود في بلد أوروبي آخر، وأن العربة التي ستنقله بين المدن المغربية قد تكون أنهت بالفعل عمرها المهني في شبكة سككية أجنبية قبل أن تجد لنفسها حياة جديدة جنوب البحر الأبيض المتوسط. غير أن هذا المشهد الذي يبدو عادياً في ظاهره تحول خلال الأيام الأخيرة إلى موضوع نقاش واسع بعد كشف تقارير صحفية أوروبية عن نقل عربات إيطالية قديمة من قطارات “إنترسيتي” إلى المغرب، في وقت تعلن فيه المملكة عن أكبر برنامج لتحديث السكك الحديدية في تاريخها استعداداً لاستحقاقات كبرى يتقدمها كأس العالم 2030.

القضية لا تتعلق فقط بإحدى عشرة عربة خرجت من الخدمة في إيطاليا قبل شحنها نحو المغرب، بل تلامس سؤالاً أعمق حول طبيعة النموذج الذي يُراد للسكك الحديدية المغربية أن تسير عليه خلال السنوات المقبلة. فبينما تتحدث الخطط الرسمية عن استثمارات ضخمة تتجاوز عشرات مليارات الدراهم، وعن توسيع شبكة القطار فائق السرعة وربط مدن جديدة بالخدمة السككية الحديثة، تظهر في الوقت نفسه صفقات اقتناء معدات مستعملة تثير جدلاً مشروعاً حول حدود المقبول في تدبير المرفق العمومي للنقل.

التقرير الذي نشرته صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية لم يقدم العملية باعتبارها شراكة تكنولوجية أو صفقة لنقل الخبرة، بل وصفها ضمن سياق تجديد الأسطول الإيطالي، حيث تم إخراج هذه العربات من الخدمة وتعويضها بمعدات أحدث، قبل أن يتم بيعها إلى المغرب. كما أشار التقرير إلى أن هذه العملية تسمح للطرف الإيطالي بتجنب تكاليف التفكيك والإتلاف والتخلص من العربات القديمة، وهو ما يمنح العملية بعداً اقتصادياً واضحاً بالنسبة للبائع.

غير أن الإنصاف المهني يقتضي الإشارة إلى أن جزءاً مهماً من التغطية الإعلامية الإيطالية لم يقدم هذه العملية باعتبارها تصديراً لـ«الخردة» أو تخلصاً من نفايات صناعية نحو المغرب، بل تعامل معها باعتبارها مرحلة جديدة في دورة الحياة التشغيلية للمعدات السككية، حيث تنتقل العربات التي لم تعد تلبي متطلبات شبكة متقدمة إلى شبكات أخرى ما زالت في طور تعزيز قدراتها الاستيعابية. وبهذا المعنى فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بعمر العربات، بل بجدواها التقنية والاقتصادية داخل السياق الجديد الذي ستعمل فيه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما الذي ربحته إيطاليا، بل ماذا ربح المغرب؟ فليس كل قطار مستعمل بالضرورة عديم القيمة التقنية أو التشغيلية. العديد من شبكات النقل في العالم تلجأ إلى اقتناء معدات مستعملة عندما تكون في حالة جيدة وتخضع لإعادة التأهيل والتحديث. غير أن معيار النجاح في مثل هذه الصفقات لا يقاس فقط بثمن الشراء المنخفض، وإنما بالكلفة الإجمالية على مدى سنوات الاستغلال، بما في ذلك الصيانة وقطع الغيار واستهلاك الطاقة ومستوى الراحة والسلامة وقدرة المعدات على الاستجابة للطلب المتزايد.

ومن هذه الزاوية، يتحول النقاش من مجرد خبر حول عربات إيطالية قديمة إلى نقاش حول الشفافية. فالرأي العام لا يملك اليوم معطيات تفصيلية حول الكلفة الحقيقية لهذه العربات، ولا حول الأشغال التقنية التي ستخضع لها قبل دخول الخدمة، ولا حول العمر التشغيلي المتوقع لها داخل الشبكة المغربية. لذلك فإن الجدل الحالي يعكس في جزء منه غياب تواصل مؤسساتي استباقي قادر على شرح الخيارات التقنية والاقتصادية للرأي العام قبل أن تتحول إلى مادة للتأويل والانتقاد.

الأكثر إثارة للانتباه أن هذه العملية تأتي في لحظة تاريخية مختلفة تماماً عن المراحل السابقة من تطور السكك الحديدية المغربية. فالمملكة لم تعد بلداً يبحث فقط عن تعزيز أسطوله الحالي، بل أصبحت تقود مشروعاً استراتيجياً ضخماً يرمي إلى إعادة رسم الخريطة الوطنية للتنقل. الخط فائق السرعة يتجه نحو التوسع جنوباً، والاستثمارات المعلنة تتجاوز 96 مليار درهم، والهدف المعلن هو الوصول إلى عشرات المدن ورفع نسبة السكان المستفيدين من الخدمة السككية بشكل غير مسبوق.

وفي قلب هذا التحول، تكشف معطيات نقلتها وكالة رويترز أن المكتب الوطني للسكك الحديدية ONCF أطلق برنامجاً أكبر بكثير يتمثل في اقتناء 168 قطاراً جديداً من شركات Alstom وCAF وHyundai Rotem، بكلفة تقارب 2.9 مليار دولار، تشمل 18 قطاراً فائق السرعة، و40 قطاراً بين المدن، و110 قطارات للنقل الحضري، ما يعكس أن الرهان الأساسي يتجه نحو تحديث شامل للأسطول الوطني وليس فقط حلولاً ظرفية.

في هذا السياق بالذات، تصبح الصورة الرمزية للقطار أكثر أهمية من القطار نفسه. فالدول لا تُقاس فقط بالبنية التحتية التي تبنيها، وإنما أيضاً بالرسائل التي تبعثها من خلال تلك البنية. وعندما يسمع المواطن أن بلاده تستعد لاستقبال أحدث القطارات فائقة السرعة من فرنسا وإسبانيا وكوريا الجنوبية، ثم يقرأ في الوقت نفسه عن استقبال عربات خرجت من الخدمة في أوروبا، فإنه يجد نفسه أمام صورتين متناقضتين: صورة المستقبل وصورة الماضي، صورة الطموح وصورة التدبير المرحلي.

قد يجادل المدافعون عن هذه السياسة بأن الأمر يتعلق بحل انتقالي مؤقت لزيادة الطاقة الاستيعابية إلى حين وصول الطلبيات الجديدة، وهو تفسير يجد بعض السند في التقارير التي تحدثت عن انتظار تسليم عشرات القطارات الجديدة خلال السنوات المقبلة. غير أن قوة هذا التبرير تبقى مرتبطة بمدى وضوح الرؤية الزمنية ومدى احترام معايير الجودة والخدمة التي يستحقها المواطن المغربي.

فالرهان الحقيقي ليس في عدد العربات التي تدخل الموانئ المغربية، بل في طبيعة الفلسفة التي تحكم الاستثمار العمومي. هل المطلوب هو تدبير الخصاص بأقل كلفة ممكنة مهما كان مصدر المعدات؟ أم بناء نموذج نقل عمومي يجعل المواطن المغربي يستفيد من نفس مستوى الجودة الذي تعتبره الدول الأوروبية حقاً عادياً لمواطنيها؟ هنا بالضبط يتجاوز النقاش حدود السكك الحديدية ليصل إلى جوهر السياسات العمومية نفسها.

إن قصة العربات الإيطالية القديمة تكشف في النهاية عن مفارقة لافتة. فالمغرب الذي يسابق الزمن لبناء شبكة نقل تليق بمكانته الإقليمية وباستحقاقات 2030، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة بين ضرورات التدبير المرحلي وطموحات التحديث الشامل. وبين من يرى في هذه العربات فرصة عملية لاستيعاب الطلب المتزايد على النقل، ومن يعتبرها رمزاً لفجوة قائمة بين الخطاب والواقع، يبقى السؤال الأعمق معلقاً: هل تقاس حداثة الدول بما تعلنه من مشاريع كبرى، أم بما توفره فعلاً للمواطن العادي عندما يصعد إلى القطار ويجلس على مقعده منتظراً رحلة أكثر كرامة وراحة وأماناً؟