
بعد أشهر من المواجهات العسكرية والتصعيد غير المسبوق الذي هدد بإشعال المنطقة بأكملها، أعلنت الولايات المتحدة وإيران، التوصل إلى اتفاق تفاهم أولي يهدف إلى إنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد بين الطرفين. ويُعد الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه بوساطة باكستانية ومن المقرر توقيعه رسمياً في سويسرا، أهم اختراق دبلوماسي بين البلدين منذ سنوات طويلة من الصراع والعقوبات والمواجهات غير المباشرة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن الاتفاق يمثل “تسوية كبرى”، فيما تحدث مسؤولون إيرانيون عن تفاهم يضمن وقف العمليات العسكرية ويفتح الباب أمام معالجة الملفات العالقة خلال فترة تفاوض تمتد ستين يوماً. وتؤكد المعطيات التي نشرتها وكالة رويترز أن الاتفاق لا يمثل تسوية نهائية، بل إطاراً سياسياً أولياً يحدد قواعد المرحلة المقبلة ويمنع العودة الفورية إلى المواجهة العسكرية.
ما أبرز بنود الاتفاق؟
رغم عدم نشر النص الكامل لمذكرة الاتفاق حتى الآن، فإن التصريحات الرسمية والتسريبات المتقاطعة من واشنطن وطهران والوسطاء تشير إلى خمسة محاور رئيسية.
أول هذه المحاور هو وقف العمليات العسكرية بصورة فورية والدخول في هدنة دائمة قابلة للتحول إلى اتفاق سلام أوسع. أما المحور الثاني فيتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء القيود المفروضة على حركة الملاحة والطاقة في الخليج، وهو البند الذي حظي بأكبر اهتمام دولي نظراً لأهميته للاقتصاد العالمي.
المحور الثالث يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، حيث اتفق الطرفان على فتح مفاوضات تفصيلية خلال فترة الستين يوماً المقبلة لمناقشة حدود التخصيب وآليات الرقابة الدولية ومستقبل الأنشطة النووية الإيرانية. أما المحور الرابع فيتصل بالعقوبات الاقتصادية والإفراج المحتمل عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة وتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية وفق آلية مرتبطة بالالتزام المتبادل. بينما يتناول المحور الخامس الملفات الإقليمية، خصوصاً الوضع في لبنان ودور القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.
مضيق هرمز.. الرابح الأكبر من الاتفاق
يصعب المبالغة في أهمية مضيق هرمز بالنسبة للاقتصاد العالمي. فالمضيق يمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والعالمية. وخلال الأشهر الماضية تسبب إغلاقه الجزئي والتهديدات الأمنية المرتبطة به في ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف من أزمة اقتصادية عالمية جديدة.
لذلك كان رد فعل الأسواق سريعاً بمجرد الإعلان عن الاتفاق. فقد تراجعت أسعار النفط بصورة ملحوظة مع عودة التوقعات باستئناف التدفقات الطبيعية للطاقة، كما ارتفعت شهية المستثمرين للمخاطرة في الأسواق العالمية. وتشير تقديرات المؤسسات المالية الدولية إلى أن إعادة فتح المضيق قد تعيد ملايين البراميل يومياً إلى مساراتها الطبيعية وتخفض علاوة المخاطر الجيوسياسية التي أضيفت إلى أسعار النفط منذ اندلاع الأزمة.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فهناك أسئلة تقنية وأمنية ما تزال مطروحة بشأن إزالة الألغام البحرية وتأمين خطوط الملاحة وضمان عدم عودة التوترات العسكرية. كما توجد اختلافات بين الرواية الأمريكية والإيرانية حول توقيت وآلية الفتح الكامل للمضيق، وهو ما يفسر استمرار قدر من الحذر في الأسواق رغم موجة التفاؤل الأولية.
ماذا يعني الاتفاق لدول الخليج؟
بالنسبة لدول الخليج، يحمل الاتفاق فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه.
الفرصة الأولى تتمثل في تراجع احتمالات الحرب المباشرة داخل المنطقة، وهو ما ينعكس إيجاباً على الأمن البحري والاستثمارات الأجنبية والتجارة الدولية. كما أن استقرار الملاحة في الخليج يحد من الضغوط الواقعة على اقتصادات المنطقة ويمنح الحكومات مساحة أكبر للتركيز على برامج التنمية والتحول الاقتصادي.
في المقابل، تراقب بعض العواصم الخليجية بحذر أي تفاهم أمريكي ـ إيراني قد يؤدي مستقبلاً إلى إعادة دمج إيران اقتصادياً وسياسياً دون معالجة شاملة للهواجس الأمنية الإقليمية. فالدول الخليجية لا تنظر إلى الملف النووي وحده باعتباره مصدر القلق الرئيسي، بل تتابع أيضاً ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وشبكات التحالفات العسكرية المرتبطة بطهران.
ولهذا من المرجح أن تسعى دول الخليج خلال المرحلة المقبلة إلى ضمان أن تكون أي تسوية أمريكية إيرانية جزءاً من إطار أمني إقليمي أوسع وليس مجرد تفاهم ثنائي محدود بين واشنطن وطهران.
هل ينجح الاتفاق أم يفشل؟
السؤال الأكثر أهمية حالياً لا يتعلق بتوقيع الاتفاق بل بقدرته على الصمود.
هناك عوامل تدعم نجاحه. أولها أن الطرفين استنزفا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً خلال الأشهر الماضية. وثانيها أن الأسواق العالمية والقوى الدولية الكبرى تضغط بقوة من أجل استقرار إمدادات الطاقة. وثالثها أن الاتفاق يمنح كل طرف مكاسب يمكن تسويقها داخلياً؛ فواشنطن تتحدث عن احتواء البرنامج النووي الإيراني، بينما تتحدث طهران عن تخفيف العقوبات وإعادة فتح صادراتها النفطية.
لكن عوامل الفشل لا تقل قوة. فالبرنامج النووي الإيراني ما يزال الملف الأكثر تعقيداً وخلافاً بين الجانبين. كما أن هناك تباينات واضحة بين الروايات الأمريكية والإيرانية حول بعض البنود الأساسية، خصوصاً ما يتعلق بلبنان وآلية تنفيذ الالتزامات المتبادلة. إضافة إلى ذلك، فإن أي حادث أمني كبير في الخليج أو لبنان أو العراق قد يؤدي إلى انهيار الثقة المتبادلة وإعادة التصعيد العسكري.
الاتفاق ليس نهاية ليس للصراع.. وإنما بداية لمرحلة جديدة
الاتفاق الأمريكي الإيراني المعلن ليس نهاية الصراع بين البلدين، بل بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع عبر التفاوض بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة. النجاح الحقيقي للاتفاق لن يُقاس بما أُعلن اليوم، وإنما بقدرة الطرفين خلال الأسابيع المقبلة على تحويل مذكرة التفاهم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة بشأن البرنامج النووي والعقوبات وأمن الملاحة الإقليمية.
وفي المدى القصير يبدو أن مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية هما المستفيدان الأكبر من الاتفاق. أما في المدى المتوسط والطويل، فإن مستقبل الخليج بأكمله سيعتمد على ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على بناء تفاهم أوسع يعالج جذور الصراع، أم أن الاتفاق الحالي سيكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوتر والمواجهة.

