سوق الخضر في المغرب: حين يتحول الاستيراد والتصدير إلى آلة لرفع الأسعار وسحق المستهلك

0
100

في لحظة تبدو فيها السوق المغربية وكأنها تسير بعكس منطق العرض والطلب، تكشف معطيات متقاطعة من داخل القطاع الفلاحي عن مفارقة عميقة: بلد فلاحي بامتياز، يجد نفسه أمام نقاش حاد حول استيراد منتجات أساسية مثل البصل والبطاطس، ليس بسبب ندرة مطلقة، بل نتيجة اختلالات مركبة في تدبير السوق وتوجيه السياسات العمومية.

وفق معطيات مهنية، فإن تحفظ وزارة الفلاحة على طلب مستوردين لجلب هذه المواد من مصر وتركيا لا يمكن قراءته فقط كقرار تقني مرتبط بمصادر التوريد، بل كجزء من معادلة أوسع تحكمها توازنات دقيقة بين حماية الإنتاج الوطني وضبط الأسعار. فاختيار هذين البلدين لم يكن اعتباطيًا، بل مبني على كلفة استيراد منخفضة نظريًا، كان يُفترض أن تنعكس إيجابًا على القدرة الشرائية. غير أن التجربة السابقة، كما يؤكد فاعلون في حماية المستهلك، تكشف أن هذه “الميزة السعرية” غالبًا ما تتبخر في حلقات التوزيع، حيث يعاد تسعير المنتجات وفق منطق السوق الداخلي لا كلفة الاستيراد.

في المقابل، يتكشف وجه آخر للأزمة، أقل وضوحًا لكنه أكثر تأثيرًا: تراجع وتيرة الصادرات نحو الأسواق الإفريقية. هذا التحول لا يعكس فقط ظرفية عابرة، بل ينذر بإعادة تشكيل خريطة النفوذ الفلاحي المغربي في القارة. فحين تبدأ هذه الأسواق في البحث عن بدائل، بل وتشجيع إنتاجها المحلي، فإن المغرب لا يخسر فقط زبناء، بل يفقد تدريجيًا موقعه كمزود استراتيجي، وهو ما يطرح سؤالًا حول مدى استدامة نموذج فلاحي يوازن بصعوبة بين التصدير وتأمين السوق الداخلية.

داخل هذا المشهد، تتصاعد انتقادات جمعيات حماية المستهلك، التي ترى أن منطق “الاستيراد كحل” تحول إلى أداة لإعادة توزيع الأرباح لصالح الوسطاء بدل تخفيف العبء عن المواطن. فالمعادلة، كما يصفها مهنيون، لم تعد تقوم على سد الخصاص، بل على استغلال فروقات الأسعار بين الأسواق الدولية والمحلية لتحقيق هوامش ربح مرتفعة، في غياب آليات رقابة فعالة تضبط هذه الفجوة.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع استمرار التصدير في لحظات الذروة السعرية داخليًا، ما يعمّق الإحساس بوجود تعارض بنيوي بين منطقين: منطق اقتصادي يسعى لتعظيم العائدات بالعملة الصعبة، ومنطق اجتماعي يفرض أولوية تزويد السوق الوطنية بأسعار معقولة. هذا التوتر، الذي وصفه بعض الفاعلين بـ”منطق المنشار”، يعكس في العمق غياب فصل واضح بين الجهات المكلفة بتنمية الصادرات وتلك المفترض أن تحمي المستهلك.

أما على مستوى السوق الداخلية، فتكشف الفوارق الكبيرة بين أسعار الجملة والتقسيط عن خلل هيكلي في منظومة التوزيع. فحتى في حالات الاستيراد بتكلفة منخفضة من دول أوروبية، لا يصل أثر ذلك إلى المستهلك النهائي، ما يعزز فرضية وجود شبكة معقدة من الوسطاء والمضاربين تتحكم في مسار الأسعار. وهنا، لا يعود المشكل في وفرة المنتوج أو مصدره، بل في البنية التي تنقله من الحقل إلى المائدة.

المقارنة مع قطاع اللحوم، التي يثيرها مهنيون، ليست اعتباطية، بل تعكس نمطًا متكررًا: استيراد بأسعار منخفضة، بيع بأسعار مرتفعة، ومستفيدون محدودون في مقابل قاعدة واسعة من المستهلكين المتضررين. وهو ما يقود إلى خلاصة شبه حتمية: الاستيراد، في غياب إصلاحات هيكلية لأسواق الجملة وسلاسل التوزيع، لا يمثل حلًا بقدر ما يعيد إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة.

في العمق، لا تبدو أزمة البصل والبطاطس سوى واجهة لسؤال أكبر: من يتحكم فعليًا في السوق؟ الدولة، المنتج، أم الوسيط؟ وبينما تتعدد الإجابات، يظل المؤكد أن أي سياسة لا تضع المستهلك في قلب المعادلة، ستبقى عاجزة عن تحقيق التوازن، مهما تنوعت مصادر الاستيراد أو ارتفعت شعارات حماية القدرة الشرائية.