في زحام صباحات المدن المغربية، لا شيء يبدو استثنائياً في مشهد المواطن وهو يمرّ بين نشرات الأخبار، وأحاديث المقاهي، ومنشورات المنصات الرقمية التي تتنازع الانتباه. كل شيء يبدو عادياً: أسعار تواصل ارتفاعها، أسئلة المعيشة تتكرر، والقلق الاجتماعي يتحول تدريجياً إلى خلفية ثابتة للحياة اليومية. ومع ذلك، يكفي أن تظهر جملة سياسية عابرة أو صورة من لقاء حزبي، حتى يتغير اتجاه النقاش العام نحو مساحة أخرى أكثر ضجيجاً وأقل التصاقاً بالأسئلة التي تمسّ الجيب اليومي للمواطن.
داخل هذا التوتر بين الواقع المعيشي والنقاش الإعلامي، يطفو سؤال لافت: لماذا تتحول بعض التفاصيل التنظيمية داخل الفضاء الحزبي إلى مادة مركزية في التداول الإعلامي، بينما تتراجع قضايا الغلاء، والضغط الاجتماعي، وتحديات السياسات العمومية إلى الهامش؟ هل نحن أمام خلل في ترتيب الأولويات، أم أمام تحول أعمق في طبيعة “الإثارة الإعلامية” نفسها، حيث يصبح الشكل أكثر حضوراً من المضمون، والحدث الداخلي أكثر جاذبية من الأزمة الاجتماعية الممتدة؟
في هذا السياق، يقدّم حزب الحركة الشعبية نفسه باعتباره فاعلاً سياسياً يعيش دينامية تنظيمية وتجديداً في بنيته الداخلية، ويؤكد أن مسار إعادة ترتيب صفوفه لا ينفصل عن رهاناته السياسية المستقبلية. من داخل هذا التصور، تصبح اللقاءات الحزبية، والتجمعات التنظيمية، والمؤتمرات الداخلية، جزءاً من سردية سياسية تريد أن تُظهر حزباً متحركاً، قادراً على استقطاب كفاءات جديدة، وإعادة صياغة موقعه داخل المشهد السياسي.
غير أن هذه الصورة التي يُراد لها أن تعكس “حيوية تنظيمية”، تصطدم في المجال العام بقراءة إعلامية أخرى، لا تتوقف عند حدود الرسالة السياسية المعلنة، بل تميل إلى تفكيك الشكل، وإعادة إنتاجه كموضوع جدل. وهنا ينشأ التوتر: بين حزب يريد أن يُقرأ من خلال برامجه ومشاريعه التنظيمية، وفضاء إعلامي يبحث عن زوايا أكثر إثارة، حتى لو كانت على حساب العمق السياسي للنقاش.
في خلفية هذا التوتر، يظهر واقع اجتماعي أكثر ثِقلاً: مواطنون يواجهون ارتفاع كلفة المعيشة، وأسئلة القدرة الشرائية، وتحولات السوق التي لا تنتظر الإيقاع البطيء للسياسات العمومية. وفي قلب هذا المشهد، تصبح بعض القضايا الرمزية — مثل النقاش حول الأضاحي أو موجات الغلاء الموسمية — أكثر التصاقاً بالوجدان العام من تفاصيل الحياة الحزبية الداخلية، مهما كانت حيوية أو تنظيمية.
هنا تحديداً يتشكل السؤال الحرج: هل يعكس تركيز بعض المنابر على “كاستينغ” اللقاءات الحزبية تحوّلاً في وظيفة الإعلام من نقل الأولويات الاجتماعية إلى صناعة أولويات بديلة؟ أم أن السياسة نفسها أصبحت، في جزء منها، أسيرة منطق الصورة والتمثيل، حيث تتحول التفاصيل التنظيمية إلى “مادة عرض” قابلة للتأويل والتضخيم؟
اللافت في الخطاب الصادر عن قيادة الحزب أنه يسعى إلى تثبيت فكرة أساسية: أن ما يجري داخله ليس مجرد ترتيب إداري أو بروتوكولي، بل جزء من عملية تجديد شاملة تستهدف ضخ دماء جديدة في البنية السياسية. ويُقدَّم استقطاب الشباب والكفاءات كدليل على أن المشروع الحزبي في حالة تطور، وليس في حالة انكماش. هذا التصور يحمل في جوهره محاولة لإعادة تعريف معنى “القوة السياسية”: ليس فقط في عدد المقاعد أو النتائج الانتخابية، بل في القدرة على إعادة إنتاج النخب وتجديد الخطاب.
لكن في المقابل، يظل هذا الخطاب عرضة لقراءات مشككة داخل المجال الإعلامي، حيث يتم تفكيك كل خطوة تنظيمية إلى سؤال حول خلفياتها الرمزية والسياسية، أحياناً بعيداً عن مضمونها المباشر. وهنا تتسع الفجوة بين الفعل السياسي كما يُراد له أن يُفهم، وبين الفعل الإعلامي كما يُعاد إنتاجه.
من زاوية أخرى، يكشف هذا التباين عن أزمة أعمق في العلاقة بين السياسة والإعلام والمجتمع. فبينما يفترض أن تكون السياسة امتداداً مباشراً لانشغالات الناس اليومية، نجد أحياناً أن النقاش العام ينزاح نحو تفاصيل جانبية، تُضخَّم على حساب الأسئلة الكبرى: لماذا ترتفع الأسعار؟ كيف تُدار السياسات الاجتماعية؟ وما موقع الفاعل الحزبي من هذه التحولات؟
إن التركيز المفرط على التفاصيل الشكلية لا يلغي فقط العمق السياسي للنقاش، بل يخلق أيضاً نوعاً من التشويش الإدراكي لدى الرأي العام، حيث تختلط الرمزية بالواقع، والحدث التنظيمي بالتحليل الاجتماعي، حتى يصبح من الصعب أحياناً تمييز ما هو جوهري مما هو عرضي.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية بسيطة بين “إعلام سطحي” و”سياسة جادة”، لأن الواقع أكثر تركيباً من ذلك. فالإعلام يتأثر بمنطق التفاعل السريع، والسياسة تتأثر بحاجتها الدائمة إلى تثبيت حضورها الرمزي، والمجتمع نفسه يعيش تحت ضغط يومي يجعل اهتمامه موزعاً بين ما هو معيش مباشر وما هو سياسي عام.
في النهاية، يبقى السؤال الأعمق معلقاً: هل ما نراه اليوم هو مجرد سوء ترتيب للأولويات في النقاش العام، أم أننا أمام تحول بنيوي في طريقة إنتاج المعنى السياسي نفسه داخل المجتمع؟ وهل يمكن للسياسة أن تستعيد مركزيتها في النقاش العمومي دون أن تقع في فخ الصورة، أو أن تنحصر في جدل التفاصيل؟
ربما لا تكمن المشكلة في “كاستينغ” هذا الفاعل أو ذاك، بقدر ما تكمن في المرآة التي تعكسه، وفي الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الوعي العام بين ما يُقال وما يُراد له أن يُفهم. وبين هذين المستويين، يظل المواطن في موقع المتلقي الأول والأخير، يراقب ضجيجاً كبيراً حوله، بينما تظل أسئلته الأساسية معلقة في انتظار إجابات لا تأتي من الصورة، بل من الفعل.