في لحظة دبلوماسية تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها تحولات متراكمة في موازين المواقف داخل القارة الإفريقية، خرجت كينيا لتعلن، من قلب العاصمة نيروبي، دعمها الصريح لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، واضعة نفسها ضمن دينامية دولية متصاعدة تعيد رسم خريطة التأييد لقضية الصحراء. لم يكن البيان مجرد موقف بروتوكولي عابر، بل رسالة سياسية متعددة الطبقات، تُقرأ في سياق إقليمي ودولي يتجاوز لحظة الإعلان إلى ما بعدها.
هذا التحول الكيني جاء خلال أشغال الدورة الأولى للجنة المشتركة المغربية-الكينية، التي ترأسها كل من ناصر بوريطة ونظيره الكيني موساليا مودافادي، في لقاء يعكس إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة ذات أبعاد استراتيجية. لكن خلف هذا الإطار المؤسساتي، كانت قضية الصحراء حاضرة كملف مركزي يعكس عمق التقاطعات بين الرباط ونيروبي.
البيان المشترك لم يكتفِ بالإعلان عن دعم الحكم الذاتي، بل ذهب أبعد من ذلك حين وصفه بـ”الحل الوحيد الواقعي وذي المصداقية”، في انسجام واضح مع الطرح الذي تدافع عنه المغرب منذ سنوات داخل أروقة الأمم المتحدة. هذا التوصيف يحمل دلالة سياسية قوية، لأنه ينقل الموقف الكيني من خانة الحياد التقليدي إلى موقع الانخراط الصريح في دعم تصور محدد للحل، وهو ما يعكس تحولا نوعيا في مقاربة كينيا لهذا النزاع الإقليمي.
الأهمية لا تكمن فقط في مضمون الدعم، بل في ما أعلنه الجانب الكيني من نية العمل مع الدول التي تتقاسم نفس الرؤية لتعزيز هذا التوجه. هنا يتحول الموقف من إعلان سياسي إلى مشروع تحرك دبلوماسي، يهدف إلى توسيع دائرة المؤيدين لمبادرة الحكم الذاتي داخل المنتظم الدولي، وخاصة في القارة الإفريقية التي ظلت لسنوات ساحة تجاذب بين أطروحات متعارضة حول القضية.
وفي خلفية هذا التحول، يبرز تأثير الدينامية التي يقودها محمد السادس، والتي تقوم على إعادة بناء شبكة التحالفات الإفريقية للمغرب، ليس فقط عبر القنوات السياسية، بل أيضا من خلال التعاون الاقتصادي والاستثماري والديني، وهو ما مكن الرباط من استعادة موقعها داخل الاتحاد الإفريقي وتعزيز حضورها في عواصم كانت إلى وقت قريب أقرب إلى الطرح الانفصالي.
كما أن إشادة كينيا بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 تضيف بعدا أمميا لهذا الموقف، حيث يُفهم منها أن نيروبي لا تكتفي بتبني الرؤية المغربية، بل تربطها بالإطار الشرعي الدولي الذي تقوده الأمم المتحدة، مما يعزز من مشروعية الطرح المغربي داخل المسار الأممي. وفي هذا السياق، يتقاطع الدعم الكيني مع التأكيد على دور الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي في الدفع بالعملية السياسية، لكن على أساس مرجعية الحكم الذاتي كأرضية للتفاوض.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا التطور كجزء من إعادة تموضع أوسع داخل القارة الإفريقية، حيث بدأت عدة دول تعيد تقييم مواقفها من نزاع الصحراء، في ضوء التحولات الجيوسياسية والرهانات الاقتصادية الجديدة، خاصة مع تزايد أهمية الشراكات جنوب-جنوب. وفي هذا الإطار، يصبح التقارب المغربي-الكيني أكثر من مجرد تقارب ثنائي، بل مؤشرا على تشكل محور إفريقي جديد يميل إلى الحلول الواقعية بدل الشعارات الإيديولوجية.
في المقابل، يعكس ترحيب المغرب بالموقف الكيني حرص الرباط على تثبيت هذا المكسب الدبلوماسي ضمن مسار تراكمي، يقوم على تعزيز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، مع التشبث بالإطار الأممي كآلية وحيدة للتوصل إلى حل سياسي دائم. وهو توازن دقيق بين توسيع دائرة التأييد من جهة، والحفاظ على الشرعية الدولية من جهة أخرى.
هكذا، يتحول بيان مشترك إلى أكثر من مجرد وثيقة دبلوماسية؛ يصبح حلقة جديدة في سردية سياسية متواصلة، عنوانها انتقال النزاع حول الصحراء من منطق الجمود إلى دينامية إعادة التشكل، حيث تتقدم الرباط بخطى محسوبة، مستفيدة من تحولات السياق الدولي، ومن قدرة متزايدة على تحويل الدعم السياسي إلى رافعة استراتيجية تعيد رسم ملامح التوازنات داخل إفريقيا وخارجها.