« 21 ساعة من التفاوض أمام 40 يوماً من الحرب: العالم عند حافة تحول استراتيجي لا رجعة فيه »

0
135

في إطار صحافة النظر والتحليل المعمّق، لا يمكن قراءة ما قدّمه الأستاذ عبد الهادي مزراري باعتباره مجرد سردٍ لوقائع مفاوضات، بل بوصفه تفكيكاً لمشهد دولي يتحرك على حافة حرب مفتوحة ودبلوماسية محدودة الفاعلية. المقال هنا لا يعيد إنتاج نصّه، بل ينصت إلى منطقه الداخلي، ويضعه داخل سياقاته الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع، مع الحفاظ على الفكرة المركزية التي صاغها صاحبها.

في لحظة إعلان انتهاء 21 ساعة من المفاوضات التي احتضنتها إسلام آباد بين واشنطن وطهران، بعد 40 يوماً من حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يكن السؤال مجرد متابعة لحدث دبلوماسي عابر، بل كان سؤالاً وجودياً عن مستقبل مسار حرب يبدو أنه فقد القدرة على التوقف. من هنا ينطلق عبد الهادي مزراري، من مفارقة الزمن بين حرب طويلة وتفاوض قصير، ليضعنا أمام اختلال واضح في إيقاع السياسة الدولية.

في خلفية هذا المشهد، لا تبدو المفاوضات مجرد محاولة تقنية لإيقاف الحرب، بل اختباراً لموازين القوة. فتركيبة الوفد الإيراني، التي جمعت بين البرلمان والخارجية والدفاع والبنك المركزي، تعكس، وفق القراءة التي يقدمها الكاتب، رغبة في تقديم الدولة الإيرانية كمنظومة متكاملة تفاوض من موقع صلب، لا كطرف يبحث عن مخرج سريع من الحرب. الرسائل هنا ليست شكلية، بل سياسية بامتياز: إيران تريد أن تقول إنها لا تزال قادرة على فرض شروطها، أو على الأقل مناقشتها من موقع الندية.

في المقابل، يظهر الوفد الأمريكي بتعدد في الوجوه يعكس ازدواجية في المقاربة. فبين من يمثلون منطق الضغط والاستمرارية في النهج التصعيدي، وبين من يحاولون فتح نافذة سياسية لتفادي الانسداد الكامل، تبدو واشنطن وكأنها تدير مفاوضات تحت سقف الحرب لا فوقها. غير أن الثابت في هذا الموقف، كما يقرأه مزراري، هو تمسك أمريكي بسقف مطالب مرتفع، يضع الملف النووي والصاروخي والسلوك الإقليمي لإيران في قلب أي تسوية محتملة.

لكن ما يجعل هذه المفاوضات أكثر تعقيداً، هو غياب الثقة الذي يطبع كل تفاصيلها. فإيران، كما يورد الكاتب، تتفاوض وهي في حالة يقظة عسكرية دائمة، تعتبر أن أي تهدئة قد تكون جزءاً من تكتيك لإعادة ترتيب موازين القوة. في المقابل، ترى واشنطن أن طهران هي التي طلبت التهدئة عبر وساطة خارجية، في سياق ضغوط عسكرية وسياسية متصاعدة. وهكذا تتحول 21 ساعة من التفاوض إلى ما يشبه استراحة قصيرة بين جولتين من الملاكمة، أكثر منها مساراً تفاوضياً مستقراً.

في هذا السياق، تبرز إسرائيل كفاعل غير حاضر على الطاولة، لكنه حاضر بقوة في تفاصيلها. فالتأثير الإسرائيلي، كما يلفت مزراري، لا يظهر فقط في محاولة فصل الجبهات أو إعادة ترتيب الأولويات، بل في صياغة البيئة السياسية التي تُدار فيها المفاوضات نفسها. ومع كل تدخل مباشر أو غير مباشر، يتعزز الإحساس بأن ما يجري ليس ثنائياً خالصاً بين واشنطن وطهران، بل شبكة معقدة من التأثيرات المتقاطعة.

وعند الانتقال إلى ما بعد فشل المفاوضات، يظهر التحول بسرعة نحو منطق التصعيد. إعلان احتمالات الحصار على مضيق هرمز، والتلويح بتدمير القدرات النفطية الإيرانية، والتهديد بفرض عقوبات مضاعفة على أطراف دولية مثل الصين، يعكس انتقال الصراع من ملف نووي محدود إلى ملف عالمي يمس شرايين الاقتصاد الدولي. هنا يتحول المضيق من ممر مائي إلى نقطة اختناق استراتيجية قد تعيد رسم خرائط الطاقة العالمية.

لكن الأخطر في هذا المسار، كما يمكن استخلاصه من التحليل، هو أن تداعياته لا تقف عند حدود إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل تمتد إلى النظام الاقتصادي العالمي برمته. فالدول الأوروبية، ودول الخليج، والصين، وكل الاقتصادات المرتبطة بالطاقة، تصبح أطرافاً متضررة بشكل مباشر من أي تصعيد في هذا المسار. وهنا يتجاوز الصراع منطق الحرب التقليدية إلى منطق إعادة توزيع المخاطر العالمية.

في النهاية، لا يقدم عبد الهادي مزراري مجرد رواية لمفاوضات فاشلة، بل يضعنا أمام سؤال أكبر من الحدث نفسه: هل ما زالت الدبلوماسية قادرة على وقف الحروب في عالم تُدار فيه المفاوضات تحت ضغط النار، وتُرسم فيه حدود السياسة من داخل ساحات المعركة؟

وتبقى الخلاصة أن الفكرة والتحليل والسرد في جوهره تعود إلى الأستاذ عبد الهادي مزراري، بينما جاءت هذه الصياغة لإعادة تقديمها في قالب صحافي سردي متماسك، يربط بين الوقائع والسياقات، ويقرأ ما وراء الحدث لا الحدث فقط.