فضيحة إبستين تفجّر عاصفة داخل السلطة البريطانية وتضع ستارمر أمام أخطر اختبار سياسي يهدد بقاءه في داونينغ ستريت

0
122

في مشهد سياسي يتشابك فيه الأمن القومي مع تداعيات السمعة الدبلوماسية، تهتز الحكومة البريطانية برئاسة كير ستارمر على وقع جدل جديد يطال أحد أكثر التعيينات حساسية في واشنطن، بعد الكشف عن خلفيات مرتبطة بفضيحة رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، المدان في قضايا استغلال جنسي، وما رافق ذلك من شبهات حول آليات منح التصاريح الأمنية داخل وزارة الخارجية.

القضية التي فجّرتها تقارير صحافية بريطانية، وعلى رأسها ما أوردته “ذي غارديان”، تعود إلى منح السفير السابق في الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، تصريحًا أمنيًا في يناير 2025، رغم وجود تقييم سلبي صادر عن هيئة مختصة بفحص الخلفيات الأمنية. هذا القرار، الذي اتخذ داخل دوائر وزارة الخارجية، لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل تحوّل إلى نقطة اشتعال سياسي، بعدما تبيّن أن التوصية الأمنية الرسمية تم تجاوزها، في خطوة وُصفت لاحقًا بأنها مثيرة للجدل وتطرح أسئلة عميقة حول معايير الاختيار والرقابة داخل مؤسسات الدولة.

ومع اتساع دائرة الجدل، خرج متحدث باسم رئيس الوزراء ليؤكد أن كير ستارمر وأعضاء حكومته لم يكونوا على علم بهذه المعطيات قبل بداية الأسبوع الذي تفجرت فيه القضية، في محاولة لاحتواء التداعيات السياسية المتسارعة. غير أن هذا التوضيح لم يكن كافيًا لوقف موجة الانتقادات، خصوصًا بعد أن أفادت مصادر داخل وزارة الخارجية بأنها “تعمل بشكل عاجل” على مراجعة مسار منح التصريح الأمني، في وقت تم فيه الحديث عن إقالة مسؤول رفيع في السلك الدبلوماسي، وسط تقارير تحدثت عن فقدانه ثقة رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية.

خلف هذه التطورات، تبدو الأزمة أعمق من مجرد خطأ إداري أو تجاوز تقني في مسار التعيين. فالقضية أعادت إلى الواجهة ملف العلاقة بين النخب السياسية البريطانية وشخصيات دولية مثيرة للجدل، وعلى رأسها جيفري إبستين، وما يرافق ذلك من حساسية متزايدة في ملف الأمن القومي والدبلوماسية رفيعة المستوى. كما كشفت عن تصدعات داخل جهاز صنع القرار، خصوصًا بعد استقالة أحد كبار مسؤولي مكتب ستارمر في وقت سابق من العام، إثر اتهامات بالضغط من أجل تمرير تعيين ماندلسون في واشنطن، ما يعكس صراعًا داخليًا بين الاعتبارات السياسية والتقييمات الأمنية.

سياسيًا، لم تتأخر المعارضة البريطانية في استثمار هذه التطورات. فقد اعتبرت زعيمة المحافظين كيمي بادينوك أن ما جرى يشكل “إخلالًا بالأمن القومي”، داعية إلى استقالة رئيس الوزراء، بينما ذهب زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن أي تضليل محتمل للبرلمان أو للرأي العام من شأنه أن يضع شرعية الحكومة على المحك.

وفي المقابل، حاول ستارمر الدفاع عن موقفه، مؤكدًا أنه سبق وأن اتخذ قرارًا بإقالة ماندلسون في شتنبر 2025 بعد اتهامه بـ“عدم الصدق” بشأن طبيعة علاقاته بإبستين، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الملف، إذ يتحول من مجرد جدل حول تعيين دبلوماسي إلى سؤال أوسع حول مدى معرفة الحكومة السابقة بتفاصيل تلك العلاقات، وكيفية التعامل معها داخل مؤسسات الدولة.

الأكثر حساسية في هذه القضية أن وثائق رسمية، تم نشر جزء منها في مارس، أشارت إلى أن رئيس الوزراء كان قد نُبّه مسبقًا إلى “مخاطر على السمعة” مرتبطة بعلاقات ماندلسون بإبستين قبل اتخاذ قرار التعيين. وهو ما يفتح الباب أمام نقاش سياسي وقانوني أوسع حول حدود المسؤولية، ومن يتحمل فعليًا قرار تمرير تعيين بهذه الحساسية في موقع دبلوماسي محوري مثل واشنطن.

بين ضغط المعارضة، وتضارب الروايات داخل الحكومة، وتنامي الشكوك حول آليات اتخاذ القرار، تبدو حكومة ستارمر أمام اختبار سياسي بالغ التعقيد، لا يتعلق فقط بشخصية دبلوماسية أو ملف واحد، بل بصورة الدولة البريطانية نفسها وقدرتها على ضبط معايير الشفافية والمساءلة في أكثر ملفاتها حساسية.