الهجرة غير النظامية في الشمال المغربي: عمليات أمنية مكثفة تكشف حدود مقاربة الاحتواء وتضع نموذج التدبير الأوروبي–المغربي تحت الاختبار

0
125
صورة: أرشيف

في سياق يتسم بتعقيد متزايد لظاهرة الهجرة غير النظامية، وباستمرار الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بتدبير الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، تشهد مناطق شمال المملكة المغربية خلال الأيام الأخيرة عمليات أمنية مكثفة تستهدف تفكيك شبكات ومحاولات العبور غير القانوني نحو الضفة الأوروبية، خاصة عبر المحور الممتد بين طنجة والفنيدق–المضيق. عمليات لا تبدو معزولة أو ظرفية، بل تندرج ضمن مقاربة مستمرة متعددة الأطراف، تجمع بين البعد الأمني والبعد الإداري، في محاولة لاحتواء موجات بشرية تتقاطع فيها عوامل الهشاشة الاقتصادية والتحركات العابرة للحدود.

وحسب معطيات متطابقة تم تداولها ميدانيًا، فقد أسفرت هذه التدخلات عن توقيف أعداد كبيرة من المرشحين للهجرة غير النظامية، يُقدَّر عددهم بأكثر من 800 شخص، ينحدرون في غالبيتهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتم ضبطهم في مناطق غابوية وعرة تابعة لإقليمي فحص أنجرة والفنيدق–المضيق، وهي فضاءات باتت تشكل منذ سنوات نقاط تجمع وانتظار قبل محاولات التسلل نحو السواحل أو السياجات الحدودية المحاذية لمدينة سبتة المحتلة. وتُظهر هذه المعطيات أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بمسارات عابرة فقط، بل أصبحت تتخذ شكل “تمركز مؤقت” في الهوامش الجغرافية للمدن الساحلية الشمالية.

في المقابل، جرى إخضاع الموقوفين للمساطر الإدارية المعمول بها في إطار تدبير ملف الهجرة غير النظامية، مع نقل جزء منهم نحو مناطق بعيدة في الجنوب الشرقي للمملكة، خاصة أقاليم زاكورة وتنغير. هذا الإجراء، الذي تقول مصادر ميدانية إنه يهدف إلى تفكيك التمركزات وإبعاد المرشحين عن نقاط الانطلاق المتكررة نحو الشمال، يفتح في الوقت ذاته نقاشًا أوسع حول فعالية المقاربة المعتمدة في التعامل مع الظاهرة، وحدود الحلول القائمة على إعادة التوزيع الجغرافي داخل التراب الوطني.

وتشير المعطيات ذاتها إلى أنه تم بالفعل ترحيل حوالي 300 شخص في مرحلة أولى، في حين يُرتقب استمرار العمليات خلال الأيام المقبلة، مع توقع تسجيل توقيفات إضافية في ظل استمرار تدفق مجموعات جديدة نحو المناطق نفسها، مدفوعة بعوامل اقتصادية واجتماعية معقدة، وبشبكات غير رسمية تستفيد من هشاشة الوضع في بعض بلدان المصدر والعبور.

على المستوى المؤسساتي، تبرز هذه العمليات كنتاج تنسيق ميداني بين مختلف الأجهزة المعنية، من بينها الأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة والسلطات المحلية، إضافة إلى مكونات مراقبة الحدود. هذا التنسيق يعكس، من جهة، حجم التحدي الأمني المرتبط بمراقبة سواحل تمتد على مسافات طويلة ومعقدة جغرافيًا، ومن جهة أخرى يسلط الضوء على الضغط المستمر الذي تفرضه دينامية الهجرة المختلطة على البنية الأمنية والإدارية في الشمال المغربي.

لكن خلف الطابع الأمني الظاهر لهذه التدخلات، تظل الظاهرة في جوهرها متعددة الأبعاد. فالهجرة غير النظامية في هذا السياق لا ترتبط فقط بالرغبة في العبور نحو أوروبا، بل تعكس أيضًا اختلالات أعمق مرتبطة بالتنمية غير المتكافئة، وبشبكات الوساطة العابرة للحدود، وبإعادة تشكيل مسارات الهجرة في غرب ووسط إفريقيا. كما أن استمرار تمركز هذه الموجات في مناطق الشمال يطرح تساؤلات حول كلفة التدبير الميداني على المستوى المحلي، سواء من حيث الضغط على الجماعات الترابية أو من حيث التوازنات الاجتماعية في الفضاءات الحضرية والقروية المحاذية.

وفي خلفية المشهد، يظل عنصر التعاون مع الاتحاد الأوروبي حاضرًا بقوة، سواء عبر التمويلات أو برامج دعم إدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية. غير أن هذا الدعم، رغم حجمه، لا يبدو كافيًا وحده لتفكيك جذور الظاهرة، ما يجعل المقاربة الحالية محصورة بين منطق التدبير الأمني العاجل ومنطق المعالجة التنموية البعيدة المدى، دون حسم نهائي لمعادلة معقدة تتجدد باستمرار.

وبين تكرار محاولات العبور، وتشديد المراقبة، وتحركات إعادة التوزيع الجغرافي للمهاجرين داخل البلاد، تتبلور صورة وضع لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، حيث تستمر الهجرة غير النظامية كظاهرة عابرة للحدود، تختبر في كل مرة حدود السياسات الأمنية، وقدرة الشركاء الإقليميين والدوليين على بناء مقاربة أكثر شمولًا تتجاوز منطق الاحتواء الظرفي نحو معالجة أعمق لبنية الدوافع الأصلية.