تقنين الإعدام تحت الاحتلال الإسرائيلي: قانون يُصاغ لتصفية الإنسان الفلسطيني لا لحمايته

0
127

ليس مشروع “إعدام الأسرى الفلسطينيين” مجرد نص قانوني عابر داخل أروقة الكنيست، بل هو إعلان صريح عن انتقال خطير في تعريف العدالة نفسها: من مبدأ كوني يقوم على المساواة، إلى أداة انتقائية تُدار بمنطق القوة والهوية. هنا، لا يعود القانون إطاراً لضبط العنف، بل يصبح وسيلة لإعادة إنتاجه تحت غطاء تشريعي، في واحدة من أكثر لحظات الانزلاق وضوحاً داخل مسار الصراع.

من الرباط، حيث احتضنت سفارة دولة فلسطين فعاليات يوم الأسير الفلسطيني، بدا النقاش أبعد من التضامن الرمزي، وأقرب إلى تفكيك عميق لتحول بنيوي يجري على مستوى إدارة الصراع. فالمناسبة، التي تعود جذورها إلى قرار المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1974، استحضرت هذا العام ليس فقط معاناة الأسرى، بل أيضاً السياق الجديد الذي يُراد فيه تحويل مصيرهم إلى مادة قانونية صريحة، تُنقل من هامش الممارسة إلى مركز النص.

في هذا السياق، قدّم السفير الفلسطيني جمال الشوبكي قراءة حادة للمشروع، معتبراً أن ما يجري ليس استحداثاً لعقوبة الإعدام بقدر ما هو تقنين لممارسة قائمة. الفارق، كما أوضح، يكمن في الانتقال من “الإعدام كفعل” إلى “الإعدام كسياسة”، حيث تُلبس الممارسة لبوس القانون لتكتسب شرعية شكلية، رغم تعارضها الجوهري مع قواعد القانون الدولي الإنساني. بهذا المعنى، تتحول المحاكم من فضاءات للعدالة إلى أدوات ضمن منظومة ردع سياسي، تُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والقانون.

غير أن الإشكال الأعمق، الذي تكرّر في مداخلات متعددة، يرتبط بالطابع التمييزي الصريح للمشروع. فالنص، كما تم تقديمه، يفتح الباب أمام تطبيق عقوبة الإعدام على الفلسطيني دون الإسرائيلي، وهو ما يضرب في العمق مبدأ المساواة أمام القانون، أحد الأعمدة المؤسسة لأي منظومة حقوقية. هذا البعد، الذي وصفته رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمينة بوعياش بـ”المرعب”، لا يعيد فقط طرح سؤال عقوبة الإعدام، بل يضع كونية حقوق الإنسان نفسها على محكّ اختبار حقيقي.

ولعل ما يزيد من تعقيد الصورة هو أن هذا النقاش لا يجري في فراغ، بل في سياق دولي يتسم بتآكل تدريجي في فاعلية المنظومة الحقوقية. بوعياش، التي استحضرت النقاشات الأخيرة في جنيف، أشارت إلى وجود تحركات ومواقف رافضة، لكنها في الوقت ذاته تعكس حدود التأثير داخل نظام دولي تحكمه توازنات سياسية أكثر مما تضبطه المبادئ. هنا، يظهر التناقض جلياً بين خطاب كوني لحقوق الإنسان، وواقع انتقائي في تطبيقها.

من زاوية أخرى، أعاد عبد الإله بنكيران توسيع دائرة النقاش، معتبراً أن القضية الفلسطينية لم تعد شأناً محلياً أو إقليمياً، بل اختباراً حقيقياً للضمير الإنساني. حديثه حمل نبرة نقد ذاتي، حين أقرّ بتراجع مستوى التفاعل مقارنة بعقود سابقة، في إشارة ضمنية إلى تحولات عميقة في أولويات العالمين العربي والإسلامي. غير أن الأهم في طرحه هو الربط بين ما يجري اليوم وإمكانية محاسبة تاريخية، حيث لا يُقاس الفشل فقط بالنتائج، بل أيضاً بالتقاعس عن الفعل.

في المقابل، ركّز عبد الكبير اخشيشن على جبهة أخرى من جبهات الصراع: جبهة السرد. بالنسبة له، لا يقل خطر الصمت الإعلامي عن خطورة التشريعات نفسها، إذ يسمح بتهميش القضية تدريجياً وإخراجها من مركز الاهتمام العالمي. من هذا المنظور، يتحول دور الصحافي من ناقل للأحداث إلى فاعل في إعادة ترتيب الأولويات، وكسر ديناميات النسيان التي ترافق النزاعات الطويلة.

بين هذه الأصوات، يتضح أن “مشروع إعدام الأسرى” يتجاوز كونه إجراءً قانونياً ليصبح مؤشراً على تحوّل أعمق في بنية الصراع، حيث يتم الانتقال من إدارة النزاع إلى إعادة هندسة قواعده. فحين يُعاد تعريف من يستحق الحياة ومن يمكن أن يُعدم بناءً على الهوية، فإننا لا نكون أمام قانون، بل أمام إعادة صياغة للإنسان نفسه داخل معادلة القوة.

في المحصلة، لا يضع هذا المشروع الأسرى الفلسطينيين وحدهم في دائرة الخطر، بل يختبر أيضاً قدرة النظام الدولي على حماية ما تبقى من معاييره. وبين خطاب حقوقي يتآكل، وواقع سياسي يفرض منطقه، يبقى السؤال معلقاً: هل ما يزال القانون قادراً على كبح القوة، أم أنه بدأ يتحول تدريجياً إلى إحدى أدواتها؟