المغاربة بين تآكل المعيشة وانسداد الأفق: أغلبية ساحقة تحت ضغط الغلاء وتراجع الادخار إلى أدنى مستوياته

0
131

في لحظة اجتماعية واقتصادية مشحونة، تعيد معطيات المندوبية السامية للتخطيط رسم ملامح دقيقة لنبض الأسر المغربية خلال الفصل الأول من سنة 2026، حيث لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام ظرفية، بل بصورة مركّبة لقلق معيشي ممتد، يتقاطع فيه الإحساس بتراجع القدرة الشرائية مع ضبابية التوقعات المستقبلية، واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة اليومية.

فبحسب نتائج البحث الظرفي للأسر، تبدو المؤشرات الأساسية وكأنها تثبت اتجاهاً عاماً نحو تآكل الإحساس بالاستقرار الاجتماعي. إذ صرّحت 75,1% من الأسر بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مقابل 19,1% اعتبرت أنه استقر، و5,8% فقط رأت أنه تحسّن. هذه الأرقام لا تقف عند حدود توصيف الحالة، بل تعكس تحولاً تدريجياً في المزاج الاجتماعي العام نحو فقدان الثقة في قدرة الظرفية الاقتصادية على توفير الحد الأدنى من الطمأنينة.

هذا الشعور لا يتوقف عند الماضي القريب، بل يمتد إلى المستقبل القريب أيضاً، حيث تتوقع 45,1% من الأسر مزيداً من التدهور خلال السنة المقبلة، مقابل 38,5% تتوقع الاستقرار، و16,4% فقط تراهن على التحسن. هذا التوزيع يكشف عن اختلال واضح في “منحنى التوقعات”، حيث يصبح التشاؤم هو القاعدة، والتفاؤل مجرد هامش محدود.

في قلب هذا المشهد، تبرز مسألة التشغيل كعامل قلق مركزي. إذ تتوقع 57,9% من الأسر ارتفاع معدل البطالة خلال الأشهر المقبلة، مقابل 23,2% فقط ترى العكس. هذا المعطى يعكس إدراكاً واسعاً بأن سوق الشغل لم يعد قادراً، في نظر شريحة كبيرة من الأسر، على امتصاص الضغوط الاقتصادية أو توفير فرص كافية لتحسين الدخل.

أما على مستوى الاستهلاك والمعيش اليومي، فتشير المندوبية إلى أن 66,9% من الأسر تعتبر أن الظرفية غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة، وهو مؤشر يعكس تراجع الثقة في الاستثمار الأسري حتى في حدود الاستهلاك الأساسي طويل الأمد، مثل الأجهزة المنزلية أو التجهيزات الضرورية.

وفي ما يتعلق بالتوازن المالي للأسر، تكشف المعطيات عن صورة أكثر تعقيداً: 59,9% من الأسر تؤكد أنها تغطي نفقاتها من مداخيلها، لكن 37,5% اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر التي تمكنت من الادخار فعلياً 2,5% فقط. هذه النسبة الأخيرة، على وجه الخصوص، تعكس هشاشة واضحة في القدرة على تكوين احتياطي مالي، وهو ما يجعل الأسر أكثر عرضة لأي صدمات اقتصادية محتملة.

ورغم هذا الوضع، فإن المفارقة تظهر في التوقعات المستقبلية، حيث تشير 12,1% من الأسر فقط إلى قدرتها على الادخار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مقابل 87,8% لا تتوقع ذلك. وهو ما يعكس استمرار فجوة الثقة بين الوضع الحالي وما يمكن أن يحمله المستقبل القريب.

على مستوى الوضع المالي العام، صرّحت 41,5% من الأسر بتدهور أوضاعها المالية خلال السنة الماضية، مقابل 4,8% فقط تحدثت عن تحسن. أما بشأن التوقعات، فإن 21,1% تتوقع تحسناً، مقابل 15,3% لا تزال ترى أن وضعها المالي قد يتدهور أكثر، ما يعكس حالة من عدم اليقين أكثر مما يعكس اتجاهاً واضحاً نحو التحسن أو التراجع.

لكن المؤشر الأكثر حساسية يظل مرتبطاً بغلاء المعيشة، حيث تؤكد 93,3% من الأسر أن أسعار المواد الغذائية عرفت ارتفاعاً خلال السنة الماضية. والأكثر دلالة أن 78,9% تتوقع استمرار هذا الارتفاع، مقابل 2,4% فقط تراهن على انخفاضه. هذا المعطى يضع ملف التضخم الغذائي في قلب المعادلة الاجتماعية، باعتباره العامل الأكثر تأثيراً على الحياة اليومية للأسر.

إن هذه الأرقام، في مجملها، لا تقدم فقط لوحة إحصائية، بل ترسم ملامح “مزاج اجتماعي عام” يتسم بالضغط والقلق وإعادة ترتيب الأولويات داخل الأسر المغربية. فبين تراجع الادخار، وارتفاع كلفة المعيشة، وتنامي المخاوف من البطالة، يتشكل واقع اقتصادي يضغط على التوازنات اليومية، ويعيد طرح أسئلة أعمق حول فعالية السياسات الاجتماعية والاقتصادية في مواكبة هذا التحول الصامت في حياة المواطنين.