بركة يهزّ صورة الحكومة: فشل في التشغيل وعجز عن كبح المضاربات في المحروقات

0
127

بركة يفتح جبهة النقد من داخل الأغلبية: حكومة الأرقام المعلنة تصطدم بواقع البطالة والمضاربة وتآكل القدرة الشرائية

لم يكن تصريح نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، مجرد تقييم تقني لوضعية حكومية عادية، بل بدا أقرب إلى تشخيص سياسي من داخل قلب الأغلبية نفسها، يضع علامات استفهام كبرى حول فعالية السياسات العمومية، وحدود الانسجام بين الخطاب الرسمي للأرقام وبين الإحساس الاجتماعي المتنامي بالأزمة.

فبينما يواصل الخطاب الحكومي الترويج لقدرة الحكومة على خلق مليون منصب شغل في أفق 2026، قدّم بركة قراءة مغايرة تستند إلى معطيات يعتبرها أكثر التصاقًا بالواقع، حيث لم تتراجع البطالة إلا بشكل طفيف من 13.6% إلى 13%، وهو تراجع لا يعكس ـ حسب تعبيره الضمني ـ حجم الانتظارات الاجتماعية ولا حجم الاستثمارات العمومية التي ارتفعت من 230 مليار درهم إلى حوالي 380 مليار درهم.

هذا التباين بين “وعد التشغيل” و”نتائج السوق الفعلية” يفتح سؤالًا أعمق: هل تكفي الاستثمارات العمومية وحدها لتحريك عجلة التشغيل في غياب دينامية موازية للقطاع الخاص؟ بركة نفسه يلمّح إلى هذا الخلل البنيوي، حين يؤكد أن القطاع الخاص لم يواكب بالشكل المطلوب، رغم التوجيهات الملكية التي شددت على ضرورة أن يتحمل ثلثي الاستثمار الوطني.

في خلفية هذا النقاش، يظهر الاقتصاد الفلاحي كعامل ضغط إضافي، إذ يشير الوزير إلى فقدان سنوي يقارب 200 ألف منصب شغل بسبب الجفاف، ما يكشف هشاشة سوق الشغل أمام الصدمات المناخية، ويضع السياسات العمومية أمام سؤال السيادة الإنتاجية لا مجرد خلق فرص العمل.

من زاوية أخرى، يسلط التصريح الضوء على معضلة المشاركة الاقتصادية للنساء، حيث لم ترتفع نسبة اندماجهن في سوق الشغل إلا من 19% إلى 20%، وهو رقم يكشف بطء التحول الاجتماعي مقارنة مع تطور مؤشرات التعليم والتكوين، في ظل استمرار عوائق التنقل وبعض البنى الثقافية التي تحد من إدماج النساء في الاقتصاد.

لكن أكثر النقاط حساسية في خطاب بركة تتعلق بالقدرة الشرائية وقطاع المحروقات. فبينما تتحدث الحكومة عن دعم اجتماعي واسع شمل الغاز والكهرباء والنقل وإجراءات ضريبية، يعترف الوزير ضمنيًا بأن الطبقة المتوسطة تواصل التآكل، وأن أسعار المحروقات شهدت ارتفاعًا يفوق المعدلات الدولية، في ظل استمرار ما وصفه بثقافة “الاستغلال والمضاربة” في السوق.

هنا يتحول النقاش من اقتصاد كلي إلى سؤال حكامة السوق: هل فشلت آليات الضبط في كبح الوسطاء والمضاربين؟ أم أن بنية السوق نفسها باتت تسمح بإعادة إنتاج الأرباح على حساب المستهلك النهائي؟

ويمتد التشخيص ليشمل أسعار المواد الغذائية والمواشي، حيث يُسجل ارتفاع رغم وفرة العرض، وهو ما يعمّق الإحساس بعدم فعالية أدوات المراقبة، ويغذي قناعة اجتماعية بأن الفساد أو الاستغلال لا يزالان قادرين على التسلل إلى سلاسل التوزيع.

في العمق، يربط بركة هذه الاختلالات بإشكالية السيادة الغذائية، باعتبارها ورشًا استراتيجيًا يتجاوز الظرفية الاقتصادية، ويمس قدرة الدولة على التحكم في إنتاجها الغذائي وأسعارها، في سياق تقلبات عالمية ومناخية متزايدة.

أما على المستوى الاجتماعي البعيد المدى، فيعيد الوزير فتح ملف إصلاح أنظمة التقاعد، باعتباره ورشًا مؤجلًا رغم حساسيته المالية والاجتماعية، مع التأكيد على ضرورة بناء “قطب عمومي قوي” يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، بدل الاكتفاء بإصلاحات تقنية مجزأة.

سياسيًا، لا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق الانتخابي المقبل، حيث يلمّح بركة إلى أن الرهان لا يجب أن يُختزل في مشاريع كبرى ظرفية مثل تنظيم كأس العالم، بل في بلورة رؤية استراتيجية أعمق تعيد ترتيب الأولويات، من الحكم الذاتي إلى تقليص الفوارق المجالية وبناء ما يسميه “مغرب السرعة الواحدة”.

من زاوية تحليلية، تكشف هذه الخرجات من داخل الأغلبية عن ثلاث دلالات أساسية: أولها وجود فجوة متزايدة بين الخطاب الحكومي الموحد وتعدد القراءات داخل مكوناته السياسية. ثانيها انتقال النقاش من أرقام النمو والاستثمار إلى سؤال الأثر الاجتماعي المباشر. وثالثها عودة الملفات الاجتماعية الصلبة ـ التشغيل، الأسعار، التقاعد ـ إلى واجهة النقاش السياسي مع اقتراب الاستحقاقات.

وبينما تُقرأ هذه التصريحات في ظاهرها كتشخيص اقتصادي، فإنها في عمقها تعكس إعادة تموضع سياسي هادئ داخل الأغلبية نفسها، حيث لم يعد النقاش يدور فقط حول “ما تحقق”، بل حول “لماذا لم يتحقق بالسرعة والعمق المطلوبين”.