“انهيار القدرة الشرائية وتآكل الأجور: حين يفقد الحوار الاجتماعي وظيفته ويتحول غلاء المعيشة إلى مرآة لانقسام اجتماعي عميق بين دخل جامد وحياة باتت خارج القدرة”

0
219

في قراءة تحليلية لما رصده موقع المغرب الآن الإخباري عبر تغريدة للأستاذ Abdelwahid Bahay، يتضح أن النقاش حول غلاء الأسعار وتآكل الأجور لم يعد مجرد توصيف ظرفي لواقع اقتصادي متقلب، بل تحول إلى مرآة تعكس اختلالاً أعمق في العلاقة بين السياسات العمومية والواقع المعيشي للمواطن.

التغريدة، في مضمونها، تضع اليد على جوهر الأزمة: فجوة تتسع بهدوء بين وتيرة ارتفاع الأسعار وجمود نسبي في الأجور، وهي فجوة لا يمكن اختزالها في تأثيرات التضخم العالمي وحده، بل تمتد إلى حدود الخيارات الاقتصادية الداخلية ومدى قدرتها على تحقيق توازن اجتماعي فعلي. هنا لا يظهر الغلاء كحدث طارئ، بل كمسار ممتد يعيد تشكيل بنية الاستهلاك ويضغط تدريجياً على الطبقة الوسطى التي تشكل ركيزة الاستقرار الاجتماعي.

ومن زاوية أعمق، يكشف هذا المعطى عن تحول نوعي في العلاقة بين المواطن والدخل: فالأجر، الذي يفترض أن يكون أداة للعيش الكريم، بات في حالات كثيرة مجرد وسيلة لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية. هذا الانزياح لا يعكس فقط أزمة أرقام، بل يعكس أيضاً تغيراً في الإحساس الاجتماعي بالأمان الاقتصادي، حيث تتقلص هوامش الاختيار لصالح منطق الضرورة.

في هذا السياق، يُطرح الحوار الاجتماعي كآلية مؤسساتية لإعادة التوازن، غير أن القراءة النقدية لمضمونه، كما يلمّح إليه الطرح، تكشف أن فعاليته ما تزال محدودة. فالمخرجات الجزئية، رغم أهميتها، لا ترقى إلى مستوى التحول البنيوي المطلوب، لأنها لا تلامس الجذور العميقة للفجوة بين الأجور والأسعار، بل تظل في إطار تدبير آثارها فقط.

اللافت في هذا النقاش أن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الزيادات أو توقيتها، بل بمنهجية تدبيرها. فغياب الربط الصارم بين الأجور ومؤشرات التضخم، وضعف آليات التقييم المستمر، يجعل من الصعب تحويل الحوار الاجتماعي إلى رافعة حقيقية لإعادة توزيع الدخل بشكل عادل. وهنا يظهر خلل آخر لا يقل أهمية: تشتت الفاعلين وتباين موازين القوى داخل عملية التفاوض، مما يحد من قدرة الحوار على إنتاج حلول مستدامة بدل تسويات ظرفية.

ومع تراكم هذه العناصر، يتشكل في العمق سؤال الثقة. فحين لا تنعكس مخرجات الحوار على الحياة اليومية للموظفين، يتراجع الإيمان بجدواه، ويتحول من أداة للتغيير إلى إجراء دوري لتدبير التوتر الاجتماعي. هذا التحول، وإن بدا تدريجياً، يحمل دلالات مهمة حول حدود النموذج الحالي في الاستجابة للتحولات الاقتصادية.

في المقابل، يلمح التحليل إلى أن تجاوز هذا الوضع لا يمكن أن يتم عبر إجراءات معزولة، بل عبر رؤية شمولية تعيد النظر في بنية الأجور، وتربطها بشكل ديناميكي بكلفة المعيشة، مع تعزيز العدالة الجبائية، وضبط الأسعار في القطاعات الحيوية، وتقوية دور المؤسسات الوسيطة في التفاوض الاجتماعي.

وفي العمق، يظل السؤال الذي تثيره هذه القراءة مفتوحاً: هل يمكن لأي نموذج تنموي أن يحقق الاستقرار دون معالجة جذرية للعلاقة بين الدخل وتكاليف العيش؟ فالإجابة التي تتشكل بين سطور هذا الطرح تشير إلى أن الاستقرار الاقتصادي، مهما بدت مؤشراته إيجابية، يظل هشاً ما لم يُترجم إلى قدرة فعلية لدى المواطن على العيش بكرامة داخل منظومة أسعار عادلة وأجور منصفة.