بين “حصيلة غير مسبوقة” وأرقام المندوبية: حين تصطدم رواية الحكومة بواقع المعيشة وتنكشف حدود الخطاب الرسمي

0
151

بين أرقام المندوبية السامية للتخطيط وخطاب الحكومة حول “حصيلة غير مسبوقة”، تتسع فجوة التفسير بين ما يُقال في المنابر الرسمية وما يعيشه المواطن المغربي في تفاصيل حياته اليومية. فجوة لا تتعلق فقط بإحصائيات ظرفية، بل برؤية أعمق لوضع اجتماعي واقتصادي يتجه، وفق مؤشرات رسمية، نحو مزيد من الضغط على القدرة الشرائية واتساع دائرة الهشاشة.

تقرير المندوبية السامية للتخطيط، الصادر برسم الفصل الأول من سنة 2026، يعيد طرح سؤال الثقة في الأرقام والخطابات السياسية معاً. فالمؤسسة، التي تُعتبر مرجعاً رسمياً في إنتاج المعطيات الإحصائية، تقدم صورة اجتماعية ثقيلة: أغلبية ساحقة من الأسر المغربية ترى أن مستوى معيشتها تراجع خلال السنة الماضية، في مقابل نسبة محدودة جداً تعتبر أن هناك تحسناً فعلياً.

الأرقام هنا ليست مجرد مؤشرات تقنية، بل تعبير عن شعور اجتماعي عام. إذ تؤكد المعطيات أن حوالي 75,1% من الأسر صرحت بتدهور مستوى المعيشة، مقابل 19,1% اعتبرت الوضع مستقراً، فيما لم تتجاوز نسبة من رأت تحسناً 5,8%. هذه النسب تعكس، في عمقها، تحوّل الإحساس بالضغط المعيشي إلى حالة شبه جماعية، تتجاوز التقدير الفردي إلى المزاج الاجتماعي العام.

ما هو أكثر دلالة أن هذا التراجع في الإحساس بالمعيش اليومي لا يقف عند حدود الانطباع، بل يظهر في بنية الإنفاق الأسري نفسه. فحوالي 59,9% من الأسر تؤكد أن مداخيلها تغطي فقط المصاريف اليومية، في حين تجد 37,5% نفسها مضطرة إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض، بينما لا يتجاوز من يستطيع الادخار فعلياً نسبة 2,5% فقط. وهي أرقام تكشف عن اقتصاد أسري يعيش على حدود التوازن الهش، حيث يصبح الادخار استثناءً بدل أن يكون قاعدة.

في خلفية هذا الوضع، تبرز مسألة الأسعار، خصوصاً المواد الغذائية، باعتبارها العامل الأكثر تأثيراً في الإحساس العام بالغلاء. فوفق المعطيات ذاتها، فإن 93,3% من الأسر تؤكد أن أسعار المواد الغذائية عرفت ارتفاعاً خلال السنة الماضية، بينما تتوقع نسبة كبيرة استمرار هذا المنحى. هنا يتحول الغلاء من ظرف اقتصادي إلى عنصر دائم في معادلة العيش اليومي، يعيد تشكيل علاقة المواطن بسوق الاستهلاك.

لكن البعد الأكثر حساسية في هذا التقرير لا يتعلق فقط بالماضي، بل بما ينتظره المواطنون من المستقبل. فحوالي 45,1% من الأسر تتوقع مزيداً من التدهور في مستوى المعيشة خلال السنة المقبلة، مقابل أقلية ترى إمكانية التحسن. كما أن 57,9% تتوقع ارتفاع البطالة، في مؤشر يعكس ضعف الثقة في قدرة الدورة الاقتصادية على خلق فرص جديدة أو امتصاص الضغوط الاجتماعية المتزايدة.

شوكي يدافع عن تماسك الحكومة… لكن هل تصمد سردية الإنجاز أمام اختبار ثقة المواطنين؟

هذه النظرة التشاؤمية تمتد أيضاً إلى قرارات الاستهلاك، حيث تعتبر 66,9% من الأسر أن الظرفية غير مناسبة لاقتناء السلع المستديمة، وهو ما يعكس نوعاً من الانكماش في الاستهلاك، ليس فقط بسبب الغلاء، بل أيضاً بفعل غياب اليقين الاقتصادي.

في هذا السياق، يطرح التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الإحصائي نفسه بإلحاح. فبينما تسوق الحكومة حصيلة إيجابية وتصف منجزاتها بأنها “غير مسبوقة”، تقدم نفس الدولة، عبر مؤسساتها الإحصائية، صورة اجتماعية مختلفة، أقرب إلى القلق منها إلى الارتياح. هذا التباين لا يمر دون أثر، لأنه يضع سؤال المصداقية في قلب النقاش العمومي حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

المفارقة أن هذه المعطيات لا تأتي من خصوم سياسيين أو تقارير خارجية، بل من مؤسسة رسمية يفترض أنها جزء من منظومة الدولة نفسها في إنتاج الحقيقة الرقمية. وهو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن التوفيق بين خطاب تسويقي سياسي يركز على المنجز، ومعطيات ميدانية تعكس ضغطاً اجتماعياً متزايداً؟

في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بتباين في قراءة الأرقام، بل باختلاف في تصور الواقع ذاته. فالمواطن الذي يواجه يومياً كلفة المعيشة، لا يقيس السياسات العمومية بمؤشرات النمو أو الخطابات الرسمية، بل بقدرته الفعلية على تغطية مصاريفه، وعلى الحفاظ على مستوى عيش مستقر دون اللجوء إلى الاستدانة أو استنزاف المدخرات.

وهكذا، بين “حصيلة غير مسبوقة” في الخطاب السياسي، و”تدهور في مستوى المعيشة” في لغة الأرقام، تتشكل منطقة رمادية عنوانها الأساسي هو سؤال الثقة: ثقة المواطن في الأرقام، وثقته في الخطاب، وثقته قبل ذلك في قدرة السياسات العمومية على تحويل المؤشرات إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية.