في مقالها، تنطلق عائشة بوزرار من مقولة Umberto Eco كمدخل تأطيري، لتبني عليها قراءة نقدية لتحولات المجال العمومي في زمن المنصات الرقمية. غير أن قوة النص لا تكمن في استدعاء هذه المقولة بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها كعدسة تحليلية لفهم ظاهرة معقدة: تداخل الرأي والمعرفة في بيئة رقمية تحكمها السرعة والتفاعل أكثر مما يحكمها التمحيص.
من حيث البناء، يعتمد المقال على سرد تفسيري يتدرّج من العام إلى الخاص: من التحول العالمي في بنية النشر، إلى تمثلاته داخل السياق المغربي. هذا الانتقال يُحسب للنص، لأنه لا يظل أسير التنظير المجرد، بل يحاول ربطه بوقائع ملموسة مثل ظاهرة “المحاكمات الرقمية”. ومع ذلك، يظل هذا الربط أقرب إلى الوصف العام منه إلى التحليل المعمّق، إذ لا يقدّم أمثلة دقيقة أو حالات دراسية يمكن أن تمنح الطرح مزيداً من الصلابة.
أطروحة الكاتبة المركزية تقوم على فكرة اختلال التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المعرفية، حيث تحوّلت المنصات من فضاء لتوسيع النقاش إلى بيئة تُنتج “ضجيجاً” يزاحم المعرفة. هذه الفكرة وجيهة، لكنها ليست جديدة في أدبيات الإعلام الرقمي، وكان يمكن تعميقها عبر مساءلة آليات هذا التحول: هل المشكلة في المستخدم؟ أم في تصميم المنصات؟ أم في غياب التربية الإعلامية؟ النص يلمّح إلى دور الخوارزميات، خاصة مع الإشارة إلى منصات مثل Facebook وX، لكنه لا يذهب بعيداً في تفكيك منطقها الاقتصادي والسياسي.
كما يطرح المقال مفارقة مهمة: الدفاع عن ديمقراطية التعبير مقابل خطر الانزلاق نحو الفوضى. وهنا تحاول الكاتبة الحفاظ على توازن دقيق، فتنتقد الفوضى دون السقوط في النخبوية التي قد توحي بها مقولة إيكو. غير أن هذا التوازن، رغم أهميته، يجعل النص أحياناً حذراً أكثر من اللازم، إذ يتجنب اتخاذ موقف تحليلي حاسم من سؤال جوهري: هل نحن أمام أزمة انتقالية طبيعية في تطور المجال العمومي، أم أمام تحوّل بنيوي يُعيد تعريف معنى “الرأي” نفسه؟
في الشق المتعلق بالسياق المغربي، يفتح المقال زاوية واعدة عبر مفهوم “المحاكمات الرقمية”، لكنه يظل في مستوى التشخيص دون اقتراح أدوات للفهم أو المعالجة. كان يمكن، مثلاً، ربط هذه الظاهرة ببنية الثقة في الإعلام التقليدي، أو بطبيعة الاستقطاب الاجتماعي، أو حتى بضعف الوساطة المؤسساتية.
ما يميّز النص، في المقابل، هو لغته المتوازنة وابتعاده عن التهويل، إذ لا يسقط في خطاب “الانهيار الأخلاقي” بقدر ما يحاول فهم التحول ضمن تعقيده. كما ينجح في طرح سؤال مفتوح في الخاتمة، وهو اختيار ذكي ينسجم مع طبيعة الموضوع، لكنه يترك القارئ أيضاً أمام فراغ تحليلي جزئي، حيث لا يتم دفع النقاش نحو أفق استشرافي واضح.
في المحصلة، مقال عائشة بوزرار يقدّم قراءة متماسكة ومُحكمة البناء لظاهرة معاصرة، ويُحسن التقاط مفارقاتها الأساسية، لكنه يظل أقرب إلى “تشخيص ذكي” منه إلى “تفكيك عميق”. قوته في وضوح الفكرة واتزان الطرح، وحدوده في غياب أمثلة دقيقة وتعميق أكبر للآليات البنيوية التي تحكم الفضاء الرقمي. والسؤال الذي يظل معلقاً، كما يوحي النص نفسه: هل نحتاج إلى إعادة تأهيل المستخدم، أم إلى إعادة تصميم المنصات، أم إلى إعادة تعريف دور الإعلام في زمن فقد فيه احتكاره للكلمة؟