في مشهد لم يعد استثناءً بقدر ما أصبح مؤشراً متكرراً على اختلال أعمق، أعادت أحداث الشغب التي رافقت مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي طرح سؤال يتجاوز حدود الرياضة نحو بنية اجتماعية مأزومة: هل المدرجات مجرد فضاء للفرجة، أم صارت منصة لتفريغ احتقان جيل كامل يعيش على حافة الإقصاء؟
الوقائع، في ظاهرها، تتعلق بعنف جماهيري داخل المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله، بما خلفه من خسائر مادية وفوضى تنظيمية. غير أن القراءة التحليلية تكشف أن ما حدث ليس سوى “عرض” لأزمة أعمق، حيث تتقاطع هشاشة التأطير الرياضي مع اختلالات اجتماعية واقتصادية متراكمة. فحين نتحدث عن مئات الآلاف من المنقطعين عن الدراسة، ونحو ستة ملايين من شباب “النيت” (NEET: لا يدرسون ولا يعملون)، فإننا أمام كتلة بشرية معلّقة خارج دوائر الإنتاج والاندماج، تبحث عن معنى للانتماء، ولو داخل مدرج مشحون.
في هذا السياق، لا يمكن فصل شغب الملاعب عن التحولات البنيوية التي يعرفها المجتمع المغربي. البطالة، الهشاشة، غلاء المعيشة، وتآكل الثقة في قنوات الارتقاء الاجتماعي، كلها عوامل تُنتج ما يمكن تسميته بـ”العنف الرمزي المعكوس”، حيث يتحول التشجيع من فعل انتماء إيجابي إلى تعبير عدواني عن الإحباط. هنا، يصبح “الألتراس” ليس فقط مجموعة مشجعين، بل شكلاً من أشكال الهوية البديلة التي تمنح الشباب شعوراً بالقوة والانتماء في ظل غياب بدائل مؤسساتية.
القانون، ممثلاً في التشريعات الزجرية، وعلى رأسها مقتضيات القانون 09-09، يقدّم إجابة جزئية عبر الردع. لكن التجربة أظهرت أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تُرفق بسياسات إدماجية. فالعقوبات، مهما بلغت صرامتها، لا تعالج جذور الظاهرة بقدر ما تؤجل انفجارها. والدليل أن تكرار هذه الأحداث يكشف فجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، حيث يستمر إنتاج نفس السلوكيات في بيئات لم تتغير شروطها.
من زاوية أخرى، يبرز البعد النفسي والهوياتي بقوة. فالتعصب الكروي لم يعد مجرد ولاء رياضي، بل تحوّل إلى تعبير عن صراع رمزي، تُستدعى فيه مفردات “الانتصار” و”الهيمنة” كتعويض عن إحساس بالعجز في مجالات أخرى. ومع تأثير بعض المواد المخدرة أو الكحول، يتضاعف هذا التوتر، ليتحول إلى عنف مادي داخل فضاء يفترض أن يكون مؤطراً ومؤمناً.
ولا يمكن إغفال دور الفضاء الرقمي، حيث تساهم بعض الخطابات التحريضية والمحتويات غير المؤطرة في تأجيج الصراعات بين الجماهير. فوسائل التواصل لم تعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبحت فاعلاً فيها، عبر إنتاج سرديات تعب mobilize الجماهير وتؤطر سلوكها، أحياناً نحو التصعيد بدل التهدئة.
الإجراءات الأخيرة التي أعلنتها العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية، من قبيل منع تنقل الجماهير الزائرة وتشديد المتابعات، تعكس وعياً بخطورة المرحلة، خاصة في ظل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات كبرى. لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤال الفعالية: هل يمكن ضبط الظاهرة عبر تقليص حضور الجمهور، أم أن ذلك يعمّق الإحساس بالإقصاء ويؤجل الانفجار إلى فضاءات أخرى؟
المعضلة الحقيقية تكمن في غياب مقاربة شمولية تدمج بين الأمني والتربوي والاجتماعي. فالأندية مطالبة بدور تأطيري يتجاوز النتائج الرياضية، والجامعة مطالبة بإستراتيجية وقائية، والدولة مطالبة بسياسات عمومية تعيد إدماج الشباب في دورة الأمل. لأن المدرج، في نهاية المطاف، ليس سوى مرآة للشارع.
هنا، يتحول السؤال من “كيف نعاقب؟” إلى “لماذا ينفجر هؤلاء؟”. فحين يشعر جزء واسع من الشباب بأن المجال العام مغلق، وأن الثروة والفرص محتكرة، وأن الخطاب السياسي لا يترجم إلى أثر ملموس، فإن أي فضاء جماعي—ومن ضمنه الملاعب—قد يتحول إلى ساحة لتفريغ الغضب.
إن ما حدث بين الجيش الملكي والرجاء ليس مجرد شغب عابر، بل إشارة إنذار اجتماعي. قراءة هذه الإشارة بعمق، بعيداً عن الاختزال في البعد الأمني، قد تكون المدخل الوحيد لتحويل الملاعب من بؤر توتر إلى فضاءات اندماج، ومن ساحات صراع إلى مساحات أمل.