من الدولة الاجتماعية إلى فخّ التعثر: إصلاح الصحة والحماية الاجتماعية على حافة اختبار الثقة والانحرافات الصامتة

0
121

في قلب الورش الاجتماعي الأكبر الذي يعيشه المغرب اليوم، لا تبدو إصلاحات منظومة الصحة والحماية الاجتماعية مجرد عملية تقنية لإعادة ترتيب الهياكل أو تحديث القوانين، بل هي اختبار عميق لقدرة الدولة على ترجمة الإرادة السياسية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. فبين طموح بناء “الدولة الاجتماعية” كما يؤطرها جلالة الملك المفدى محمد السادس حفظه الله ، وتعقيدات الواقع الإداري والمؤسساتي، تتشكل معادلة دقيقة قوامها: صفاء النيات، وثبات الإرادات، والتزام الكفاءات، وهي شروط لا يمكن تعويضها بنصوص قانونية مهما بلغت دقتها.

الاجتماع الذي عقده المكتب الوطني للنقابة المستقلة لقطاعات الصحة يوم 27 أبريل 2026 لا يندرج فقط ضمن الدينامية النقابية المعتادة، بل يكشف عن توتر بنيوي بين فلسفة الإصلاح كما تُصاغ مركزياً، ومسارات تنزيلها ميدانياً. فالتجارب المقارنة في إصلاح الأنظمة الصحية—من منظمة الصحة العالمية إلى تقارير البنك الدولي—تؤكد أن الانتقال من “البحث عن الحلول” إلى “بناء الأنظمة” يمر حتماً عبر مسارات طويلة، متدرجة، ومصحوبة بتقييم مرحلي صارم. غير أن هذا التدرج، وإن كان ضرورة منهجية، يتحول أحياناً في السياق المحلي إلى ذريعة للتأجيل أو بطء القرار، ما يفرغ الإصلاح من زخمه ويضعف ثقة الفاعلين فيه.

في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة هيكلة المؤسسات أو إحداث هيئات جديدة مثل الهيئة العليا للصحة أو الوكالة المغربية للدواء، بل بإعادة تعريف موقع الموارد البشرية داخل المنظومة. فالإصلاح الذي يُختزل في النصوص دون أن يُترجم إلى تحسين فعلي في ظروف عمل الأطر الصحية، يظل إصلاحاً معلقاً. هنا تبرز إحدى المفارقات الكبرى: كيف يمكن لمنظومة تُراهن على الجودة والنجاعة أن تتجاهل مؤشرات الرضا المهني، أو أن تغض الطرف عن اختلالات في تدبير المسارات الإدارية التي تمس بشكل مباشر الأطباء والممرضين والإداريين؟

المعطيات المتداولة—سواء عبر تقارير رسمية أو خلاصات النقابات—تشير إلى أن جزءاً من الأزمة ليس تقنياً بقدر ما هو سلوكي ومؤسساتي. فحين تتحول المساطر القانونية إلى قرارات انفرادية، وحين يُستبدل منطق الحكامة بمنطق النفوذ، نكون أمام انزلاق من “خلل إداري” إلى ما يمكن تسميته بـ”انحراف مؤسساتي”. هذا التحول الخطير لا يهدد فقط نجاعة الإصلاح، بل يقوض أحد أهم شروطه: الثقة. إذ لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح في بيئة يُنظر فيها إلى السلطة الإدارية كأداة مزاجية بدل كونها آلية قانونية مضبوطة.

وفي هذا السياق، تكتسي مسألة حكامة القطاع بعداً حاسماً. فترشيد الموارد وتحسين ظروف العمل لا ينفصلان عن إرساء قواعد شفافة للمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو المبدأ الذي يشكل أحد أعمدة الدستور المغربي. غير أن ما تثيره النقابة من ممارسات—من قبيل غياب الانضباط الإداري أو السلوكيات المتعجرفة—يعيد طرح سؤال جوهري: هل تمت مواكبة الإصلاح المؤسسي بإصلاح موازٍ في الثقافة الإدارية؟ أم أن البنية الجديدة تُدار بذات العقليات القديمة؟

على مستوى آخر، يفتح النقاش حول تفويت بعض الخدمات الصحية لمقدمي خدمات خارجيين جبهة حساسة تمس جوهر السيادة الصحية. فالدعوات إلى الحفاظ على الطابع العمومي للخدمات الأساسية—كالاستشارات والعلاجات والتدبير الإداري—لا تنطلق فقط من هاجس مهني، بل من اعتبارات قانونية وأخلاقية مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية وضمان استمرارية الحقوق المكتسبة، كما ينص على ذلك القانون رقم 08.22. وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يصبح هذا التخوف أكثر مشروعية، خاصة مع تنامي المخاطر المرتبطة بأمن البيانات الصحية.

الرهان الحقيقي، إذن، لا يكمن في سرعة الإصلاح بقدر ما يكمن في تماسكه الداخلي. فبين النص القانوني والممارسة اليومية، تتحدد فعالية السياسات العمومية. وإذا كان النموذج الجديد للتغطية الصحية والحماية الاجتماعية يطمح إلى تعميم الولوج إلى الخدمات، فإن نجاحه سيظل رهيناً بمدى قدرته على معالجة “الاختلالات الصامتة” التي لا تظهر في المؤشرات الكمية، لكنها تؤثر بعمق في جودة الخدمة وثقة المواطن.

في النهاية، يمكن القول إن إصلاح منظومة الصحة في المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن يتحول إلى تجربة نموذجية في بناء الدولة الاجتماعية، أو أن يتعثر تحت وطأة التناقض بين طموح النصوص وحدود الممارسة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تملك المنظومة ما يكفي من الجرأة لمراجعة ذاتها من الداخل، أم أن الإصلاح سيظل أسير منطق “التدبير” بدل أن يرتقي إلى مستوى “التحول”؟