المغرب في قلب الهندسة الأمنية الأمريكية: صعود جيوسياسي أم انزلاق إلى ساحة صراع الكبار؟

0
106

في مساءٍ تُطفأ فيه الأنوار باكرًا داخل بيوت الطبقة المتوسطة المغربية خوفًا من فاتورة الكهرباء، وتُفتح فيه نشرات الأخبار على صور حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية، يبدو العالم وكأنه ينتقل من منطق الاقتصاد إلى منطق “الخنادق”. وبينما كانت دولٌ كثيرة تشتكي من قيود أمريكية جديدة على تصدير السلاح، كان المغرب يوقّع بهدوء خارطة طريق دفاعية جديدة مع واشنطن، في لحظة إقليمية مشحونة بالحرب مع إيران، والتوتر داخل المتوسط، والارتباك داخل الحلف الأطلسي. هنا بالضبط يبدأ السؤال الحقيقي: هل يتعلق الأمر فقط بتعاون عسكري عادي؟ أم أن الرباط تدخل مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف دورها داخل الهندسة الأمنية الأمريكية؟

من السهل اختزال ما يحدث في لغة البيانات الرسمية: “شراكة استراتيجية”، “تعاون دفاعي”، “تعزيز الأمن الإقليمي”. لكن خلف هذه الكلمات توجد تحولات أعمق بكثير. فالعلاقات المغربية الأمريكية لم تعد مجرد علاقات صداقة تقليدية بين دولة عربية وواشنطن، بل أصبحت جزءًا من إعادة ترتيب جيوسياسي واسع، بدأ فعليًا منذ اعتراف إدارة Donald Trump بمغربية الصحراء سنة 2020، ثم استمر بشكل مؤسساتي حتى بعد مغادرته البيت الأبيض.

الولايات المتحدة اليوم لا تبحث فقط عن “حليف مطيع”، بل عن “مرتكز جغرافي موثوق”. وهنا تظهر قيمة المغرب في العقل الاستراتيجي الأمريكي. فالمملكة تطل على الأطلسي والمتوسط وإفريقيا في آنٍ واحد، وتتحكم في نقطة عبور بحرية حساسة قرب مضيق جبل طارق، كما أنها تقدم نفسها كشريك أمني مستقر داخل منطقة تعيش على إيقاع الانقلابات، والهجرة غير النظامية، وتمدد الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي. بالنسبة لواشنطن، هذا ليس تفصيلًا جغرافيًا، بل أصلٌ استراتيجي نادر في زمن الفوضى.

لكن التحول الأخطر لا يكمن في الجغرافيا وحدها، بل في طبيعة التموضع السياسي الجديد. فالمغرب لم يعد يُقرأ أمريكيًا فقط كدولة مغاربية، بل كجزء من محور أمني أوسع يمتد من المتوسط إلى الشرق الأوسط، مرورًا بإسرائيل واتفاقيات أبراهام. لهذا تبدو الرباط، في نظر مراكز القرار الأمريكية، أقرب إلى “منصة استقرار” يمكن استخدامها لتوازنات متعددة: احتواء النفوذ الروسي في إفريقيا، مراقبة التمدد الصيني داخل الموانئ والاستثمارات، مواجهة النفوذ الإيراني، وضبط الفوضى الأمنية جنوب أوروبا.

غير أن هذا التموضع يحمل في داخله تناقضًا عميقًا. فكلما ارتفعت قيمة المغرب داخل الحسابات الأمريكية، ارتفع معه مستوى التوتر داخل محيطه الإقليمي. الجزائر ترى في هذا التقارب تهديدًا مباشرًا لتوازن القوى في المغرب الكبير، ليس فقط بسبب الصحراء، بل بسبب سؤال أعمق يعود إلى عقود: من يقود المنطقة؟ الرباط أم الجزائر؟ لهذا لم تعد صفقات السلاح مجرد عقود تجارية، بل تحولت إلى رسائل سيادية ونفسية متبادلة. المغرب يقتني مقاتلات وأنظمة أمريكية وإسرائيلية وتركية متطورة، والجزائر تواصل الارتماء أكثر داخل المنظومة العسكرية الروسية. والنتيجة ليست فقط سباق تسلح، بل بناء متدرج لحالة “حرب باردة مغاربية” منخفضة الحدة.

الأمر لا يتوقف عند الجزائر. حتى داخل أوروبا نفسها، بدأت بعض العواصم تنظر بقلق إلى الصعود المغربي المتسارع. إسبانيا، التي تعيش أصلًا توترًا صامتًا مع الرباط حول ملفات الهجرة والطاقة والسيادة البحرية، تدرك أن المغرب يتحول تدريجيًا إلى شريك أمريكي مفضل في الضفة الجنوبية للمتوسط. وهذا ما يفسر أحيانًا تلك الازدواجية الإسبانية: تعاون اقتصادي علني مع الرباط، يقابله حذر أمني واستراتيجي متزايد في الكواليس.

لكن وسط كل هذا الضجيج الجيوسياسي، يبرز سؤال أكثر حساسية داخل المجتمع المغربي نفسه: ما الثمن الداخلي لهذا التموضع؟ فالمغرب، رغم صعوده الدبلوماسي والعسكري، لا يزال يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية قاسية؛ بطالة مرتفعة، تفاوتات مجالية، ضغط معيشي، واحتجاجات اجتماعية متقطعة. هنا يظهر التناقض الذي يثيره جزء من الرأي العام: كيف يمكن لدولة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الصحة والتعليم والشغل أن تدخل سباق تسلح إقليمي مفتوح؟

ثم هناك البعد الشعبي المرتبط بإسرائيل. فبينما ترى الدولة المغربية أن التطبيع جزء من إعادة تموقع استراتيجي يخدم قضية الصحراء ويعزز النفوذ الدولي للمملكة، ما تزال قطاعات واسعة من الشارع المغربي تعتبر العلاقة مع إسرائيل ملفًا حساسًا أخلاقيًا وشعبيًا. لذلك فإن أي انخراط مغربي أعمق داخل محور أمني أمريكي ـ إسرائيلي قد يخلق مستقبلاً توترًا بين منطق الدولة ومنطق الشارع، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد الغضب الشعبي عربيًا.

وربما هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية: واشنطن تمنح المغرب “تحالفًا”، لكنها لا تمنحه “حلفًا”. الفرق بين الكلمتين يبدو لغويًا، لكنه في السياسة الدولية فرقٌ هائل. فالمغرب حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو، لكنه لا يمتلك الضمانات الدفاعية نفسها التي تحظى بها الدول الأعضاء في الحلف. بمعنى آخر، واشنطن قد تدعم الرباط سياسيًا وعسكريًا، لكنها ليست ملزمة تلقائيًا بالدخول في حرب دفاعًا عنها إذا انفجرت المنطقة.

وهنا تعود دروس الخليج لتطفو فوق السطح. فالحرب مع إيران كشفت لكثير من الحلفاء العرب أن الشراكة مع الولايات المتحدة لا تعني دائمًا حماية مباشرة أو تدخلًا حاسمًا عند الأزمات. لذلك تبدو الرباط مطالبة اليوم بإدارة دقيقة جدًا لهذا الصعود: الاستفادة من التحالف الأمريكي دون السقوط في منطق الاستقواء، وتعزيز القوة الدفاعية دون الانزلاق نحو استفزاز الجوار، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قوة دبلوماسية لا إلى عبء جيوسياسي.

في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: ماذا تريد واشنطن من الرباط؟ بل: إلى أي حد يستطيع المغرب أن يتحول إلى قوة إقليمية دون أن يتحول في الوقت نفسه إلى ساحة صراع بالوكالة بين المحاور الدولية؟ فالتاريخ يعلمنا أن الدول الصغيرة والمتوسطة لا تسقط دائمًا بسبب ضعفها… بل أحيانًا بسبب تضخم أهميتها داخل صراعات الكبار.