من “جلب الحبيب” إلى قبة البرلمان: كيف تحوّلت الشعوذة الرقمية إلى اقتصاد وهمي يكشف هشاشة المجتمع وحدود القانون في المغرب الرقمي

0
121

في مشهد يومي بات مألوفًا، يكفي أن يفتح المواطن هاتفه ليجد نفسه أمام عالم موازٍ: إعلانات تتحدث بثقة عن “جلب الحبيب”، و”فك السحر”، و”العلاج الروحاني”، ووعود باسترجاع الغائب أو كشف المجهول مقابل مبالغ مالية. بين فضول بسيط ورغبة في الأمل، تتسلل هذه المحتويات إلى الحياة اليومية، لتتحول الشاشة الصغيرة إلى سوق غير مرئي يبيع الوهم بلغة حديثة وأدوات رقمية.

هذا الواقع دفع النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة حنان أتركين إلى طرح سؤال كتابي موجّه إلى وزير العدل، تدعو فيه إلى تشديد الرقابة على ما بات يُوصف بـ”الشعوذة الرقمية” داخل المنصات الإلكترونية. خطوة أعادت فتح نقاش أوسع من مجرد محتوى عابر على الشبكات الاجتماعية، ليصل إلى سؤال جوهري حول حدود المسؤولية بين حماية المواطنين وضبط فضاء رقمي سريع التوسع.

في العمق، لا يبدو أن الإشكال مرتبط فقط بغياب القوانين. فعدد من المتابعين يؤكدون أن الترسانة القانونية الحالية كافية لتجريم النصب والاحتيال، سواء كان تقليديًا أو رقميًا. لكن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق داخل فضاء رقمي يتغير باستمرار، ويصعب ضبطه بالآليات التقليدية، إضافة إلى ضعف الوعي الرقمي لدى شريحة واسعة من المستخدمين.

الأكثر تعقيدًا هو البعد الاجتماعي لهذه الظاهرة. فانتشار “الشعوذة الرقمية” لا ينفصل عن سياقات الهشاشة الاقتصادية والضغط النفسي وفقدان الثقة في الحلول الواقعية. في مثل هذا المناخ، يصبح الوهم المعروض على الإنترنت بديلًا سريعًا لأسئلة بلا إجابات، وفراغًا تحاول بعض المنصات ملأه بوعود سهلة لكنها مضللة.

وفي المقابل، أثار هذا النقاش البرلماني جدلًا سياسيًا واسعًا حول ترتيب الأولويات داخل المؤسسة التشريعية. فبينما يرى البعض أن التصدي للاحتيال الإلكتروني ضرورة ملحة، يعتبر آخرون أن التركيز يجب أن ينصب على الملفات الاجتماعية الكبرى مثل غلاء المعيشة، البطالة، إصلاح التعليم والصحة، والتشريعات ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.

هكذا يتجدد سؤال أعمق من الواقعة نفسها: هل يتعلق الأمر بمحاربة ظاهرة رقمية عابرة، أم بإعادة التفكير في العلاقة بين المجتمع، والهشاشة، والتكنولوجيا، والدور الحقيقي للمؤسسات في زمن تتحرك فيه الأزمات أسرع من القوانين؟

وفي النهاية، يبقى المشهد مفتوحًا على مفارقة واضحة: عالم رقمي يعد بالحلول السريعة، مقابل واقع اجتماعي يطلب حلولًا أبطأ لكنها أعمق. وبين الاثنين، يتحدد مستقبل النقاش حول ما إذا كانت المعركة ضد “الشعوذة الرقمية” مجرد مواجهة مع المحتوى، أم مواجهة مع الأسباب التي تجعل هذا المحتوى ممكنًا ومؤثرًا في آن واحد.