ميثاق المقاولات الصغيرة جداً: سياسة تُدار باسم الملايين وتُنفّذ لفائدة القلة

0
76

في صباحٍ عادي من صباحات الاقتصاد المغربي، قد يبدو المشهد بسيطًا: مقاولة صغيرة تُصارع من أجل البقاء، محاسبٌ يوازن دفاتر مثقلة بالاقتطاعات، وصاحب مشروع يطرق أبواب تمويل تُفتح لفئات وتُغلق في وجه أخرى. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تتكشف بنية أعمق بكثير: علاقة غير متكافئة بين الدولة ونسيجها الإنتاجي الصغير، تُعاد صياغتها عبر سياسات كبرى تحمل عناوين “إصلاحية”، بينما تُنتج على الأرض واقعًا أكثر إقصاءً من الإدماج.

في هذا السياق، تُصدر الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة موقفًا شديد اللهجة إزاء “ميثاق المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة” الذي أُعلن عنه في 29 أبريل 2026، معتبرة أنه لا يمثل تحولًا نوعيًا بقدر ما يُعيد إنتاج نفس الاختلالات القديمة تحت غطاء جديد أكثر تلميعًا من مضمونه الفعلي.

فالكونفدرالية لا تتحدث هنا عن “نقص في التحسينات”، بل عن خلل بنيوي في فلسفة التصميم نفسها: ميثاق يُفترض أنه وُلد من أجل ملايين المقاولات، لكنه في الواقع يُدار بمنطق يُمكّن أقلية مهيكلة من الاستفادة، بينما تُترك الغالبية الساحقة—التي تتجاوز 97% من النسيج الاقتصادي—خارج دائرة القرار، وخارج دائرة الاستفادة الفعلية.

وتذهب الكونفدرالية أبعد من ذلك، معتبرة أن ما يجري ليس مجرد إغفال تقني أو سوء تنزيل، بل إقصاء مؤسساتي ممنهج في هندسة السياسة العمومية، حيث يتم الحديث باسم “المقاولات الصغيرة جداً” دون إشراك ممثليها الحقيقيين، وفي مقدمتهم الكونفدرالية نفسها، في لحظة اتخاذ القرار لا في مرحلة التعليق بعد صدور القرارات.

وفي قراءة أكثر حدة، تشير المعطيات التي توردها الكونفدرالية إلى مفارقة صارخة: أكثر من أربعة ملايين مقاولة صغيرة جداً تعيش في اقتصاد البقاء، حيث التمويل نادر، والصفقات العمومية شبه مغلقة، والقطاع غير المهيكل يفرض منطقه كواقع موازٍ، بينما يتم في المقابل تقديم سياسات “الإقلاع” كأنها تستهدف اقتصادًا مستقرًا ومهيكلًا أصلًا، لا اقتصادًا يترنح تحت ضغط البقاء اليومي.

الأخطر، حسب نفس القراءة، أن شروط الولوج إلى آليات الاستثمار المصاحبة للميثاق لا تُقرأ كأدوات تنظيم، بل كـحواجز انتقائية تُعيد فرز المقاولات بدل دعمها، عبر عتبات مالية ومحاسباتية لا تعكس الواقع الحقيقي للمقاولة الصغيرة جداً، بل تعكس نموذجًا اقتصادياً مختلفًا تمامًا عنها.

وفي خلفية هذا التوتر، تُطرح مسألة الحكامة بحدة أكبر: كيف يمكن بناء سياسة عمومية تمس العمود الفقري للاقتصاد الوطني دون تمثيلية مباشرة ووازنة للفاعلين المعنيين؟ وكيف يمكن لخطاب “الإصلاح الشامل” أن يستمر بينما يُدار الملف فعليًا داخل دوائر محدودة، يُعاد فيها تدوير نفس الفاعلين ونفس الرؤى؟

وتعتبر الكونفدرالية أن ما يجري لا يتعلق فقط بتوزيع الدعم أو تحسين البرامج، بل بـإعادة هندسة غير متوازنة للسياسة الاقتصادية نفسها، حيث تتحول بعض المؤسسات الوسيطة من أدوات مواكبة للنسيج الهش إلى أدوات تنفيذ لبرامج قطاعية متعددة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول من يملك فعليًا قرار توجيه الاقتصاد المقاولاتي في المغرب.

في المحصلة، لا ترى الكونفدرالية في هذا الميثاق مجرد “فرصة ضائعة”، بل نقطة انعطاف خطيرة في طريقة التفكير في الاقتصاد الصغير: اقتصاد يُستحضر في الخطاب الرسمي بوصفه رقمًا ضخمًا، لكنه يُدار عمليًا بمنطق الانتقاء والتصفية، لا بمنطق الإدماج.

وبين خطاب “الإقلاع” وواقع “البقاء”، تقف المقاولة الصغيرة جداً اليوم في مواجهة مباشرة مع سؤال سياسي أكثر منه اقتصادي: هل نحن أمام سياسة عمومية لإعادة بناء الاقتصاد من الأسفل، أم أمام منظومة تُعيد توزيع الفرص داخل القمة نفسها؟

والجواب، كما تلمّح الكونفدرالية بوضوح غير مسبوق، لم يعد سؤال تقنية أو تدبير… بل سؤال إرادة سياسية.