الداخلية تُغلق “باب الانتخابات” أمام فوضى العمران: معركة الدولة ضد البناء العشوائي كمرآة لصراع أعمق على المدينة والسلطة

0
96

في صباحٍ عادي من ضواحي المدن المغربية، قد يبدو المشهد مألوفًا حدّ التكرار: أحياء تتوسع بصمت، جدران تُرفع في ليلةٍ واحدة فوق أراضٍ لا تحمل أي ترخيص، وأزقة ترابية تتحول فجأة إلى كتل إسمنتية تحت مراقبة غائبة أو متأخرة. غير أن هذا “الاعتياد” الظاهري يخفي خلفه توتراً خفياً، كأن المدينة نفسها تُعاد هندستها خارج دفاتر القانون، وفي لحظة سياسية لا تبدو بريئة.

في هذا السياق، تتقاطع معطيات متداولة حول توجيهات صادرة عن المصالح المركزية لـوزارة الداخلية، تقضي بتشديد الخناق على تمدد البناء العشوائي، وإعادة ضبط الإيقاع الميداني لرجال السلطة على مستوى العمالات والأقاليم، مع التركيز على رصد البؤر التي تعرف توسعاً غير قانوني، خصوصاً في محيط المدن الكبرى والمناطق الهشة عمرانياً. هذه التوجيهات، وفق نفس المعطيات، لا تقف عند حدود التدبير التقني، بل تمتد إلى منطق محاسباتي صارم، يربط المسؤولية بالتقاعس أو التغاضي، ويضع مختلف مستويات السلطة الترابية أمام امتحان يومي للرقابة واليقظة.

لكن خلف هذا التشدد الإداري، تتكشف طبقات أعمق من المشهد. فالبناء العشوائي ليس مجرد خرق عمراني معزول، بل هو اقتصاد موازٍ قائم بذاته، تتحرك فيه شبكات وساطة وسماسرة يستغلون الفجوات القانونية، وضعف التهيئة الحضرية، وفترات الفراغ الرقابي. في بعض الحالات، يتحول هذا الفعل السريع—بناء منزل في أيام معدودة—إلى استثمار اجتماعي مباشر للفئات الهشة التي تجد نفسها خارج منظومة السكن النظامي، فتندفع نحو حلول واقعية لكنها غير قانونية، في غياب بدائل حضرية قابلة للتنفيذ.

وتشير نفس المعطيات إلى أن التقارير المرفوعة للسلطات المركزية تنبه إلى تنامي هذه الظاهرة خلال الفترات التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، حيث يصبح العمران غير المنظم جزءاً من معادلة اجتماعية-سياسية معقدة. فبين الحاجة إلى السكن، وسرعة الاستجابة غير الرسمية، تظهر هشاشة التوازن بين الدولة والمجال، ويُطرح سؤال العلاقة بين التدبير الترابي والحسابات الانتخابية، خاصة حين يُشتبه في استغلال بعض الثغرات الاجتماعية لتوسيع قواعد الدعم أو التأثير غير المباشر.

وفي المقابل، تتجه الإدارة الترابية نحو أدوات رقابة أكثر دقة، من بينها اعتماد تقنيات الرصد الحديثة، بما فيها التصوير الجوي، لإعادة ضبط المعطيات المرتبطة بالسكن غير القانوني، ومحاولة سد فجوة التلاعب في الإحصاءات أو تضخيم المعطيات الميدانية. وهو ما يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق المراقبة التقليدية إلى منطق التتبع التقني، في محاولة لإعادة بناء صورة أكثر واقعية عن المجال العمراني المتغير بسرعة.

لكن في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بمعركة ضد مخالفات البناء، بل بسؤال أكبر يتجاوز الجدران والأسقف: كيف يمكن لدولة حديثة أن توازن بين صرامة القانون وضغط الحاجة الاجتماعية؟ وكيف يمكن للسلطة أن تدير مجالاً عمرانياً يتحول فيه السكن من حق اجتماعي إلى ورقة ضغط، ومن حل فردي إلى ملف ذي أبعاد سياسية واقتصادية متداخلة؟

هنا، يتوقف المشهد عن كونه مجرد حملة إدارية ضد البناء العشوائي، ليصبح مرآة لعلاقة أكثر تعقيداً بين الدولة ومجتمعها، حيث لا يكون السؤال فقط: من يبني خارج القانون؟ بل أيضاً: من يُنتج الظروف التي تجعل الخروج عن القانون خياراً ممكناً، بل أحياناً ضرورياً؟

وفي هذا التوتر الدائم بين التنظيم والواقع، يبقى المجال العمراني شاهداً صامتاً على صراع أعمق من الإسمنت والتراب، صراع بين منطق الدولة ومنطق الحاجة، بين التخطيط كما يُراد له أن يكون، والمدينة كما تُبنى فعلياً كل يوم.