في محطة قطار مكتظة، يكفي أن يفتح أحدهم هاتفه على خبر يحمل كلمة “فيروس” حتى يتغير مزاج الطاولة كلها. تتوقف الأحاديث عن كرة القدم وغلاء الأسعار، وتبدأ الذاكرة الجماعية في استدعاء صور الكمامات والإغلاق والخوف والعزلة. لم يعد الناس يقرؤون الأخبار الصحية بعقولهم فقط، بل بذاكرة جريحة تركتها سنوات “كوفيد”. لذلك، حين ظهر اسم “هانتا” فوق شاشات الأخبار العالمية، بدا وكأن العالم يستعد نفسيًا لجائحة جديدة، حتى قبل أن يفهم طبيعة الفيروس نفسه أو مستوى خطورته الحقيقي.
لكن خلف هذا القلق الجماعي، يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل أصبح اسم “الفيروس” وحده كافيًا لإطلاق حالة إنذار عالمي؟ وهل تحولت البشرية بعد “كورونا” إلى مجتمع يعيش تحت تأثير “الصدمة الصحية المستمرة”، حيث تختلط الوقاية بالتهويل، والمعلومة بالخوف، والإجراءات العلمية بالمشاهد الدرامية التي تصنعها وسائل الإعلام؟
في الظاهر، تبدو قصة “هانتا” مرتبطة ببؤرة محدودة داخل باخرة سياحية، وإجراءات صحية صارمة رافقت عمليات الإجلاء والعزل. غير أن الطريقة التي انتشرت بها الصور والتصريحات حول العالم جعلت الحدث يبدو أقرب إلى بداية فيلم كارثي جديد. سفينة معزولة، ركاب بكمامات، تحذيرات من منظمة الصحة العالمية، ودول تتخذ إجراءات احترازية مشددة… كلها عناصر أعادت إلى الوعي العالمي ذلك الإحساس الثقيل الذي خلفته جائحة “كوفيد-19”.
غير أن خبراء الصحة المغاربة حاولوا تفكيك هذه الصورة العاطفية وإعادتها إلى إطارها العلمي. الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، اعتبر أن ما يحدث يدخل ضمن الإجراءات الطبيعية التي تقوم بها السلطات الصحية في أي حالة عدوى محتملة، مؤكدًا أن الخطر لا يهدد عموم السكان، وأن انتقال الفيروس بين البشر يبقى محدودًا وصعبًا مقارنة بفيروسات تنفسية سريعة الانتشار. كلام يبدو بسيطًا، لكنه يكشف فجوة عميقة بين العلم والرأي العام؛ فالمواطن العادي لم يعد يثق بسهولة في الرسائل المطمئنة، لأنه عاش سابقًا مرحلة بدأت أيضًا بعبارات من قبيل “لا داعي للقلق”.
هنا بالضبط تظهر إحدى أخطر نتائج عصر ما بعد “كورونا”: انهيار التوازن النفسي بين الطمأنة والاحتياط. فحين تشاهد الجماهير عمليات إجلاء معقدة، وفرقًا ترتدي معدات الوقاية، وإجراءات حجر صحي صارمة، يصبح من الصعب إقناعها بأن “الوضع تحت السيطرة”. الناس لم يعودوا يقرأون البيانات الرسمية، بل يقرأون لغة الصور والإجراءات. ولذلك فإن جزءًا كبيرًا من الذعر الحالي ليس ناتجًا عن “هانتا” نفسه، بل عن الذاكرة النفسية التي خلفتها الجائحة السابقة.
أما من الناحية العلمية، ففيروس “هانتا” ليس وافدًا جديدًا على المختبرات أو الأبحاث الطبية. خبير الفيروسات المغربي مصطفى الناجي أوضح أن الفيروس معروف منذ عقود، وينتقل أساسًا عبر القوارض، وليس عبر التواصل البشري المباشر بالشكل الذي عرفه العالم مع “كورونا”. الفرق هنا جوهري؛ فالعالم اليوم لا يواجه فيروسًا سريع الانتشار بين البشر، بل مرضًا يرتبط غالبًا بالاحتكاك بفضلات أو بول القوارض المصابة. ومع ذلك، فإن خطورته تكمن في مضاعفاته الصحية لدى المصابين، خصوصًا على مستوى الجهاز التنفسي والكليتين.
المثير في القضية أن الخوف العالمي لم يصنعه عدد الإصابات، بل “المشهد”. فالعالم الرقمي الحديث لا يتعامل مع الأزمات وفق حجمها الحقيقي فقط، بل وفق قابليتها للتحول إلى صورة إعلامية ضخمة. باخرة معزولة وسط البحر أقوى تأثيرًا من مئات التقارير العلمية الهادئة. وفي زمن المنصات الاجتماعية، تتحول الصورة إلى وباء موازٍ، أحيانًا أخطر من المرض نفسه. وهكذا يصبح الفيروس البيولوجي محاطًا بفيروس إعلامي ونفسي ينتشر بسرعة أكبر بكثير.
هذا الخوف الجماعي أعاد أيضًا النقاش حول العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ففيروس “هانتا” المرتبط بالقوارض يعيد التذكير بأن التوسع العمراني العشوائي، وتدهور شروط النظافة، والاختلال البيئي، كلها عوامل تجعل الاحتكاك بين البشر والحيوانات الناقلة للأمراض أكثر كثافة. هنا لا يعود الموضوع مجرد حالة صحية معزولة، بل يصبح انعكاسًا لنمط حضاري كامل يقوم على استنزاف البيئة وإهمال شروط التوازن الطبيعي.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الطبيب البيطري المصري صبري زينهم لتسلط الضوء على زاوية أخرى من القلق الحديث: الحيوانات الأليفة. فحتى وإن كانت الدراسات الحالية لا تؤكد انتقال العدوى من القطط والكلاب إلى البشر، فإن مجرد احتمال حملها للفيروس يكفي لإثارة مخاوف مجتمع بات ينظر إلى كل كائن حي باعتباره احتمالًا وبائيًا متنقلًا. لقد غيّرت الجائحة السابقة طريقة رؤية الإنسان للعالم من حوله؛ فأصبح كل عطاس، وكل حيوان، وكل رحلة، وكل تجمع، يحمل في اللاوعي الجماعي احتمال الخطر.
لكن المفارقة الكبرى أن الإنسانية، رغم كل هذا التقدم العلمي والتكنولوجي، تبدو اليوم أكثر هشاشة نفسيًا أمام الأوبئة مما كانت عليه في عقود سابقة. فالعالم الذي يملك مختبرات عملاقة وأنظمة مراقبة صحية دقيقة، هو نفسه العالم الذي يعيش حالة إنذار دائم بمجرد ظهور اسم مرض جديد. وربما لهذا السبب لم يعد السؤال الحقيقي: “هل فيروس هانتا خطير؟”، بل أصبح: ماذا فعلت بنا تجربة “كورونا” حتى صرنا نعيش داخل خوف عالمي مستمر، يتحول فيه أي خبر صحي إلى اختبار جديد لذاكرة بشرية لم تتعافَ بعد؟